¤حُكم مَسأَلةِ (حَدِّ الزِّنا)

 

 

 

¤حُكم مَسأَلةِ (حَدِّ الزِّنا)=مَشهُورٌ تَقريرُه عند الفُقهاء،ولخَّصَ ابنُ عبدالبَرّ رَحمَه الله الأقوال في:”التَّمْهيد” فقال:

 

“•وَلَا خِلَافَ بَيْنِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ حَدَّ الْبِكْرِ فِي الزِّنَى غَيْرُ حَدِّ الثَّيِّبِ،وَأَنَّ حَدَّ الْبِكْرِ الْجَلْدُ وَحْدَهُ،وَحَدَّ الثَّيِّبِ الرَّجْمُ وَحْدَهُ.

 

•إِلَّا أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ رَأَى عَلَى الثَّيِّبِ الْجَلْدَ وَالرَّجْمَ جَمِيعًا،وَهُمْ قَلِيلٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُبَادَةَ.

وَتَعَلَّقَ بِهِ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ،وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الثَّيِّبَ يُرْجَمُ وَلَا يُجْلَدُ…

 

•وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ مَنِ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ= فَلَا يَرَوْنَ الرَّجْمَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الزُّنَاةِ ثَيِّبًا كَانَ أَوْ غَيْرَ ثَيِّبٍ،وَإِنَّمَا حَدُّ الزُّنَاةِ عِنْدَهُمُ: الْجَلْدُ، الثَّيِّبُ وَغَيْرُ الثَّيِّبِ سَوَاءٌ عِنْدَهُمْ!

وَقَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ= خِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَخِلَافُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ؛
-فَقَدْ رَجَمَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ.
-وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْض=ِ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَلِكَ، مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْحَدِيثِ،وَهُمْ أَهْلُ الْحَقِّ.

وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق”

ُ http://cutt.us/u345

 

¤إِلّا أَنَّ المَعرُوفَ في نِسْبَةِ الخلافِ للخَوارِجِ؛ لذا قال المُوفَّقُ ابنُ قُدامَةَ رَحمَه اللهُ في:”المُغنِي”:

” وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا إلَّا الْخَوَارِجَ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : الْجَلْدُ لِلْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } . وَقَالُوا : لَا يَجُوزُ تَرْكُ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الثَّابِتِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ وَالْيَقِينِ ، لِأَخْبَارِ آحَادٍ يَجُوزُ الْكَذِبُ فِيهَا ، وَلِأَنَّ هَذَا يُفْضِي إلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ”
ثُمَّ أَخَذ في إِبطالِه..كما هُنا:
http://cutt.us/AZhli

 

•وأَمّا عَزْو الخِلافِ للمُعتَزِلَةِ= فَمَحْمَلُهُ: البَعضُ، ففي:”فَتْحُ الباري”:

“وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَأَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَنَ إِذَا زَنَى عَامِدًا عَالِمًا مُخْتَارًا فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ ،وَدَفَعَ ذَلِكَ الْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ الرَّجْمَ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ ،وَحَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ لَقِيَهُمْ،وَهُمْ مِنْ بَقَايَا الْخَوَارِجِ”
http://cutt.us/P8b6g

 

¤ وعلى ما سَبَقَ تَقريرُه..فلا عِبْرَةَ بقَولِ فَقِيهٍ مُجتَهِدٍ أَخَذَ بقَولِ الخَوارِجِ؛ لأَنَّه إِعمالٌ للاجتِهادِ في قَطْعِيٍّ،وفيه يَقولُ ابنُ أَبي الأصبع رحمه الله:

 

-وَالاجْتِهَادُ إِنَّمَا يَكُونُ **فِي كُلِّ مَا دَلِيلُهُ مَظْنُونُ
-أَمَّا الَّذِي فِيهِ الدَّلِيلُ القَاطِعُ **فَهْوُ كَمَا جَاءَ وَلاَ مُنَازِعُ

 

•فإِذا كانَ هذا في حَقِّ المُجتَهِدِ المُفتَرَضِ= فكَيفَ فيمَن هُم في عِدادِ مُقَلِّدَةِ المَذاهِبِ، كالشيخِ محمّد أَبو زَهرَةَ والشيخ مُصْطفى الزَّرْقا -رَحمَهُما اللهُ- فقد نُسِب إِليهِما استِيجاه ذلكَ أَو المَيل إِليه…- كما في كِتابِ:”فتاوِي الشَّيخ الزَّرْقا”(ص/393-مَكّي)-.

 

¤وثَمَّةَ قالاتٌ في حِكْمَةِ الرَّجمِ، ومِنها قَولُ ابنِ القَيِّمِ رَحمَه اللهُ:

“وإِنّما شُرِع في حَقِّ الزّاني المُحصَن القَتْلُ بالحِجارَة=

1-ِليَصِل الأَلَمُ إِلى جَميع بدَنِه حيثُ وصلتْ إِليه اللَّذَّةُ بالحرام.
2-ولأنَّ تلك القِتْلَة أَشْنَعُ القِتْلاتِ، والدَّاعِي إِلى الزِّنا داعٍ قَويّ في الطِّباعِ فجُعلتْ غَليظَةً في مُقابَلَة قُوَّةِ الدّاعي.
3- ولأَنَّ في هذه العُقُوبَةِ= تَذكيراً لعُقوبةِ الله لِقَومِ لُوطٍ بالرَّجْمِ بالحِجارةِ على ارتكابِ الفاحِشَة”.

http://cutt.us/fxrf7

 

¤ وأَختِمُ بالتَّنْبيهِ لما يَلي:

 

-أَوّلاً: أَنَّ الحَدَّ الشَّرْعِيَّ إِذا استَجْمَعَ شُروطَهُ وأَرْكانَه=فاستِيفاؤهُ مَنُوطٌ بالسُّلْطانِ أَو مَن يُنِيبُه، يَقولُ النَّوَوِيُّ رَحمَه اللهُ في:”المَجمُوع”:

“أَمّا الأَحكام فإِنَّه متى وَجَب حَدُّ الزنا أَو السَّرِقة أَو الشُّرْب= لم يَجُز استيفاؤه إِلا بأَمْر الإِمام،أو بأَمْر مَن فَوَّض إِليه الإِمامُ النَّظَر في الأَمر بإقامةِ الحَدِّ؛لأنَّ الحُدود في زَمَن النبيِّ صلى الله عليه وسلم،وفي زمن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم= لم تُستَوفَ إِلّا بإِذنهِم،ولأنَّ استيفاءَها للإِمام”.
https://goo.gl/jnVkuY

 

•وعلى هذا اتَّفَقتْ المَذاهِبُ،ففي:”بداية المُجتَهد”:
” وَأَمَّا مَنْ يُقِيمُ هَذَا الْحَدَّ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يُقِيمُهُ ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي سَائِرِ الْحُدُودِ “
http://cutt.us/5iSB3

 

•وهذا مِمّا يُراعَى في استِيفاءِ الحُدودِ، وانظُر عَدَّ البَقيَّةِ هُنا:
http://cutt.us/lJjpG

 

• وعليه:”نخلص ممّا سبق= أنّ إقامة الحدود موكلة للحاكم أو من ينيبه، ولم يعرف في عصر التشريع ولا العصور الأولى أن قام آحاد الناس بإقامة الحدود، فالمطالع لأحاديث ووقائع إقامة الحدود= يجدها تختص بالحاكم،سواء أكان الرسول صلى الله عليه وسلم أو كان أحد الخلفاء الراشدين أو الولاة في البلاد”
http://cutt.us/4QPHP

 

-ثانِياً: ما قالَه المرغيناني رَحمَه الله في:”الهِداية”:

“(وَالشَّهَادَةُ فِي الْحُدُودِ يُخَيَّرُ فِيهَا الشَّاهِدُ بَيْنَ السَّتْرِ وَالْإِظْهَارِ)؛لِأَنَّهُ بَيْنَ حِسْبَتَيْنِ: إقَامَةِ الْحَدِّ وَالتَّوَقِّي عَنْ الْهَتْكِ،( وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ )؛

1-لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي شَهِدَ عِنْدَهُ:(لَوْ سَتَرْته بِثَوْبِك لَكَانَ خَيْرًا لَك).
2-وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:(مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ).
3-وَفِيمَا نُقِلَ مِنْ تَلْقِينِ الدَّرْءِ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ السَّتْرِ”
http://cutt.us/Z3mhY

 

ثالثاً: إِذا تَرتَّبَ على إِقامَةِ الحِدِّ مَفاسِدُ أَعظَمُ،أَو تَفويتُ مَصالِحَ أَكبَر…=رُوعِي ذلكَ،وقاعِدَتُه ذَكَرَها العِزُّ ابنُ عبدالسَّلامِ رَحمَه اللهُ في:”القواعِد” فقال:

“إذَا اجْتَمَعَتْ مَصَالِحُ وَمَفَاسِدُ فَإِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُ الْمَصَالِحِ وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ فَعَلْنَا ذَلِكَ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمَا لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.

وَإِنْ تَعَذَّرَ الدَّرْءُ وَالتَّحْصِيل:ُ فَإِنْ كَانَتْ الْمَفْسَدَةُ أَعْظَمَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ دَرَأْنَا الْمَفْسَدَةَ،وَلَا نُبَالِي بِفَوَاتِ الْمَصْلَحَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{يَسْأَلُونَك عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}. حَرَّمَهُمَا لِأَنَّ مَفْسَدَتَهُمَا أَكْبَرُ مِنْ مَنْفَعَتِهِمَا.

…وَإِنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ أَعْظَمَ مِنْ الْمَفْسَدَةِ حَصَّلْنَا الْمَصْلَحَةَ مَعَ الْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ.

وَإِنْ اسْتَوَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ= فَقَدْ يُتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا،وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِمَا، وَقَدْ يَقَعُ الِاخْتِلَافُ فِي تَفَاوُتِ الْمَفَاسِدِ”.

http://cutt.us/oW7ZL

 

وبهذا القَدر كِفاية، والحمد لله رب العالمين.

 

 

وكَتَبَ/

(صالحُ بنُ مُحمَّدٍ الأَسْمَرِيّ)
لَطَفَ اللهُ به

الدِّيارُ الحِجازِيَّةُ ببلادِ الحَرَمَين
حَرَسَها اللهُ

 

 

Share this...
Print this page
Print
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Share on Google+
Google+
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
0
0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *