الباسق في إمامة الفاسق

 

 

 

 

 بطاقة الكتاب

الكتاب

الباسق في إمامة الفاسق

(تقرير للمذهب الحنبلي)

———————————————————-

المؤلف

الشيخ صالح بن محمد الأسمري

———————————————————

الفهرس

>فصل: حكم إمامة الفاسق في جمعة وعيد

>مسألة: في إعادة الجمعة ظهرا إن صليت خلف فاسق

>فصل: حكم إمامة الفاسق في الصلوات الأخرى فريضة ونافلة

>الروايات في المسألة عن الإمام أحمد

>تنبيهات وفوائد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على سيد المرسلين،وآله وصحبه أجمعين،أما بعد:

فهذا تلخيص تقرير السادة الحنابلة، في إمامة الفاسق في الفريضة والنافلة، سائلا الله التوفيق والقبول،فهو أكرم مسؤول.

***

اعلم –رحمني الله وإياك- أن للصلاة خلف الفاسق محلين :

أولهما : في جمعةٍ و عيدٍ . حيث لا تَصحُّ الصلاة خلف الفاسق فيهما على الأصح إلا في حالةٍ واحدةٍ و هي : أن يتعذَّر المجيءُ بهما خلف غيره . قال ابن النَّجَّار – رحمه الله – في ( مَعُوْنَةُ أولي النُّهى ) ( 2/369) ” وعلى المذهب يُسْتثنى من ذلك إمامة الفاسق في الجمعة و العيدين . وإلى ذلك أُُشير بقوله : ( إلا في جمعة و عيد ) على أَصَحِّ الروايتين . ومَحَلُّ ذلك إن تَعَذَّرا خلف غيره ” . اهـ . وقال مرعي – رحمه الله – في ( غاية المنتهى ) ( 1/191 ) : ” و لا تصح إمامة فاسق مطلقاً و إن بمثله أو في نفل , إلا في جمعة و عيد تعذراً خلف غيره ” . اهـ . و قال البُهُوتي في : ( كشاف القناع ) ( 1/475 ) : ” و تصح الجمعة و العيد خلف فاسقٍ بلا إعادة إن تعذَّرت خلف غيره ” . اهـ . و بمثله في ( دقائق أولي النهى ) (1/560) و ( هداية الراغب ) ( 160) لابن قائد – رحمه الله – في آخرين . و قال في ( الإنصاف ) (4/358) في استثناء الجمعة : ” على الصحيح من المذهب ، وعليه جماهير الأصحاب . و قال كثيرٌ منهم : يُصَلَّى خلفه صلاة الجمعة روابةً واحدة ، لكن بشرط عدم جمعةٍ أخرى خلف عدلٍ ، قاله في ( مجمع البحرين ) وغيره . وعنه : لا يصلَّى الجمعة أيضاً خلفه و هو ظاهر كلام جماعة من الأصحاب ” . اهـ . المراد . وقال المَرداوي أيضاً رحمه الله في ( الإنصاف ) ( 4/360 )  تغليباً على إلحاق الموفق ابن قدامة – رحمه الله – ( العيدين)  بالجمعة : ” وتابعه في ( الشرح ) و ( النظم ) و ( مجمع البحرين ) و ( الرعاية الصغرى ) و ( الحاويين ) وغيرهم ” اهـ . المراد .

وذلك لأن الجمعة و العيد من شعائر الإسلام الظاهرة و تَلِيْهما الأئمة دون غيرهم فَتَرْكُهما خلفهم يُفْضِي إلى تَرْكِهما بالكُلِّية ) . قاله ابن النجار في : ” معونة أولي النهى ” ( 2/370 ) . وقال الموفق – رحمه الله – في : ” المغني ” ( 3/22 ) ” فأما الجُمَع و الأعياد فإنها تُصلَّى خلف كل برٍّ و فاجر ، وقد كان أحمد يشهدها مع المعتزلة ، و كذلك العلماء الذين في عصره .

 وقد رُوِّينا : أن رجلاً جاء محمد ابن النَّظْر .

 فقال له : إن لي جيراناً من أهل الأهواء ، لا يشهدون الجمعة .

قال : حَسْبك .

ما تقول في من يرُدَّ على أبي بكر و عمر ؟

 قال : رجلُ سوءٍ .

قال : فإن ردَّ على النبي صلى الله عليه وسلم ؟

قال : يكفر .

قال : فإن رد على العَلِيِّ الأَعْلى ؟

ثم غشي عليه ، ثم أفاق . فقال : رُدًّوا عليه . و الذي لا إله إلا هو فإنه قال : ” يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ” وهو يعلم أن بني العباس سَيَلُوْنَها . ولأَنَّ هذه الصلاة من شعائر الإسلام الظاهرة ، وتليْها الأئمة دون غيرهم . فتركها خلفهم يُفْضِي إلى تركها بالكليَّة . اهـ . وبمثله في ( الشرح الكبير) ( 4/360-361 ) . و عَلَّل الموفق أيضاً في ( الكافي ) ( 1/416 ) بقوله : ” أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بهما خلف كل برٍّ و فاجر . ولأنهما تَخْتَصُّ بإمامٍ واحد ، فالمنع منها خلف الفاسق يُفْضِي إلى تفويتها ، فسُومح فيها دون سائر الصلوات ” . اهـ .

تنبيه :تعذُّر الجمعة و العيد خَلْفَ غير الفاسق شرط في صحتهما خلف الفاسق . وَسَبَقَ لكن له معنى بَيَّنَه ابن النجار في : ( معونة أولي النهى ) ( 2/370 ) بقوله : ” و مَحَلُّ ذلك إن تعذرا خلف غيره . أي : تعذر فعلهما خلف غير الفاسق بأن تعدم جمعة أخرى خلف عدل ” . اهـ . المراد . وعليه فَتَصِحَّان بالشرط السابق للضرورة ، قال البهوتي – رحمه الله – في : ( دقائق أولي النهى ) ( 1/5650) : ” إلا في جمعة وعيد تعذرا خلف غيره – أي : الفاسق – بأن تتعذر أخرى خلف عدل للضرورة ” اهـ .

 مسألة: لا يَلْزم على المذهب إعادة الجمعة ظهراً ، قال في : ( الإنصاف ) (4/395) : ” فعلى المذهب : لا يلزمه إعادتها على الصحيح من المذهب . قدَّمه في الفروع ، وقال في ( الرعاية الكبرى ) :هي أشهر ” ا.هـ. وقال الشمس ابن مفلح – رحمه الله – في : (النكت و الفوائد السَّنِيَّة على مُشْكِل المحرر للشيخ مجد الدين بن تيمية ) ( 1/104 ) : ” وهذا هو الصحيح ، لأن الدليل على فعلها خَلْفَه . وإن كان صحيحاً : اقتضى صحتها لمن تَأمَّلَه ” ا.هـ.المراد . وفي ( كشاف القناع ) ( 1/ 475 ) : ” وتَصِحُّ الجمعة و العيد خلف فاسقٍ بلا إعادة إن تعذرت خلف غيره ” ا.هـ.

كذا المذهب و في المسألة قولان آخران للأصحاب هما روايتان . قال في : ( الإنصاف ) (4/359) : ” وعنه : من أعادها فمبتدع مخالف للسنة ، ليس له من فضل الجمعة شيء ، إذا لم يَرَ الصلاة خلفه . وعنه : يُعِيْدها . جزم به في ( المُذْهَب ) و ( مَسْبوك الذهب ) و صَحَّحه ابن عقيل و غيره . قال الزركشي : فيعاد على المذهب . قال في ( الحاويين ) : ” هذا الصحيح عندي . وصححه في ( مجمع البحرين)  “. قال في : ( الفروع ) : ” ذكر غيرُ واحد الإعادة ظاهر المذهب كغيرها . قلت : ممن قاله : هو في : ” حواشيه ” ، وقدمه في : ( الرعايتين ) . نقل ابن الحكم أنه كان يصلي الجمعة ثم يصلي الظهر أربعاً . قال : فإن كانت الصلاة فرضاً فلا تضر صلاتي ، وإن لم تكن كانت تلك الصلاة ظهراً أربعاً . ونقل أبو طالب : أيما أحب إليك : أصلي قبل الصلاة أم بعدها ؟ قال : ” بعد الصلاة بعد الصلاة و لا أُصلي قبلُ . قال القاضي في  ( الخلاف ) : ” يصلي الظهر بعد الجمعة ليخرج من الخلاف ، وأطلق الرايتين – وهما : الإعادة و عدمها – ابن تميم ” اهـ .

ـ والثاني : في غير جمعة وعيد. حيث لا تصح الصلاة مطلقاً في الأَصَحِّ من الروايتين. قال في : “الإِنصاف” (4/354) : “أما الفاسق ففيه روايتان : إحداهما لا تَصِحُّ. وهو المذهب … وعليه أكثر الأصحاب قال ابن الزَّاغُوْني : هي اختيار المشايخ . قال الزركشي : هي المشهورة … والرواية الثانية : تَصِحُّ وتُكْرَه”أ.هـ. وقال ابن النجار رحمه الله في : “مَعُونة أُولي النُّهى” (2/368) : “ولا تَصِحُّ إمامة فاسق مطلقاً…على أصح الروايتين” أ.هـ . وفي : “غاية المُنْتَهى” (1/191) : “ولا تَصِحُّ إمامة فاسق مطلقاً وإِنْ بمثله أو في نَفْلٍ” أ.هـ. وكذا في: “كَشَّاف القناع” (1/474) و”هداية الراغب” (ص/160) وغيرهما.

 وذلك ” لقوله تعالى: {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون}، ولما روى ابن ماجه عن جابر مرفوعاً : “لا تؤمن امرأة رجلاً، ولا أعرابي مهاجراً، ولا فاجر مؤمناً، إلا أن يَقْهَره بسلطان يخاف سوطه وسيفه”. وعن ابن عمر أن النبي r قال : “اجعلوا أئمتكم خياركم، فإنهم وفدكم بينكم وبين ربكم” لكن قال البيهقي عن هذا : إسناده ضعيف . ولأنه لا يُقْبَل خبر الفاسق لمعنى في دينه فأشبه الكافر ؛ ولأنه لا يؤمن على شرائط الصلاة ” قاله ابن النجار رحمه الله في : “معونة أولي النهى” (2/368 ـ 369) .

فائدة : حكى جماعة روايتين أخريتين في المسألة، ومنهم المرداوي في : “الإنصاف” (4/355) بقوله : “وعنه : تَصِحُّ في النفل جزم به جماعة. قال ابن تميم : ويصح النفل خلف الفاسق رواية واحدة ، قاله بعض الأصحاب ، والظاهر أن مراده المسجد فإنه قال ذلك . وعنه : لا تصح خلف فاسق بالاعتقاد بحال”أ.هـ.

تنبيـه : المذهب على أنَّ من عُلِم فسقه فلا تَصِحُّ الصلاة خَلْفه، سواء أَظْهر فسقه أم أخفاه. قال ابن النجار رحمه الله في : “معونة أولي النهى” (2/369) : “والمذهب لا تَصِحُّ خلف من عُلِم فسقه أَعْلَنَ به أو أَخْفاه” أ.هـ المراد . وفي : “الإنصاف” (4/355) : “فعلى المذهب … وسواءٌ كان فسقه ظاهراً أو لا . وهذا الصحيح من المذهب قدَّمه في : (الفروع) و(الزركشي) و(ابن تيم) و(مجمع البحرين) ونَصَّ عليه في رواية صالح والأثرم” أ.هـ المراد. وعَبَّر في: “الإقناع” (1/474 مع الكشاف) عن المستخفي بفسقه بـ (المستور)، وكذا جماعة .

تنبيه : المذهب على أن من صلى خلف الفاسق لَزِمَه إعادة الصلاة، سواء علم بفسقه وقت الصلاة أو بعدها .

قال في : “الإنصاف” (4/355 ـ 356) : “هذا الصحيح من المذهب قَدَّمه في : (الفروع) و(الزركشي) و(ابن تميم) و(مجمع البحرين) ، ونص عليه أحمد في رواية صالح والأثرم. وهو ظاهر كلامه في (الكافي)”أ.هـ المراد .

تنبيـه : المذهب على صِحَّة الصلاة خَلْف من لا يُعْرَف حاله، مع استحباب الصلاة خلف من عُرِفَتْ عدالته .

قال ابن النجار رحمه الله في : “معونة أولي النهى” (2/370) : ” وعلى المذهب لا يشترط لصِحَّة الصلاة العلم بعدالة الإمام”أ.هـ المراد. وقَرَّره البُهُوتي رحمه الله في : “كشاف القناع” (1/475) بقوله : “وتَصِحُّ الصلاة خلف إمام لا يَعْرفه . أي : يجهل عدالته وفسقه، إذا لم يَتَبَيَّن الحال، ولم يظهر منه ما يمنع الائتمام به؛ لأن الأصل في المسلمين السلامة . والاستحباب : أن يُصَلِّي خلف من يَعْرِفه عدلاً؛ ليتَحَقَّق براءة ذمته” أ.هـ. بل قال الموفق رحمه الله في : “المغني” (3/23) : “وإن لم يُعْلَم حاله ولم يَظْهَر منه ما يَمْنع الائتمام به : فصلاة المأموم صحيحة . نَصَّ عليه أحمد ؛ لأن الأصل في المسلمين السلامة. ولو صَلَّى خَلْف من يشك في إسلامه، فصلاته صحيحة؛ لأن الظاهر أنه لا يَتَقَدَّم للإمامة إلا مسلم”أ.هـ.

وفي المسألة رواية عن الإمام أحمد رضي الله عنه بعدم الصحة . قال المرداوي رحمه الله في : “الإنصاف” (4/362) : “تَصِحُّ الصلاة خلف إمام لا يَعْرِفه على الصحيح من المذهب . وعنه : لا تصح . وروي عنه : أنه لا يصلي إلا خلف من يعرف . قال أبو بكر : هذا على الاستحباب” أ.هـ.

فائدة : قال ابن النجار رحمه الله في : “معونة أولي النهى” (2/370) : “وإن خاف إنسان أذى بسبب ترك الصلاة خلف الفاسق ـ صلى خلفه وأعاد ، نص عليه . وإن وافقه في الأفعال منفرداً، أي : ناوياً الانفراد. أو ووافقه في الأفعال في جماعة خلفه بإمام عدل لم يعد ؛ لأنه لم يأتم بفاسق” أ.هـ. وكذا في: “كشاف القناع” (1/475) في آخرين .

إلا أن هناك رواية أخرى بعدم الصحة لمن نوى الانفراد . قال في : “الإنصاف” (4/358) : “وإن نوى الانفراد ووافقه في أفعالها لم يعدها. على الصحيح من المذهب قدمه في الفروع. وعنه : يعيد” أ.هـ.

تنبيـه : يستوي فيما مضى من كان فسقه بالاعتقاد أو الأفعال المحرمة قال في : “الإنصاف” (4/354): “وهو المذهب سواء كان فسقه من جهة الاعتقاد أو من جهة الأفعال من حيث الجملة ، وعليه أكثر الأصحاب” أ.هـ . وقال ابن النجار رحمه الله في : “معونة أولي النهى” (2/368) : “ولا تصح إمامة فاسق مطلقاً، أي : سواء كان فسقه من جهة الأفعال أو من جهة الاعتقاد على أصح الروايتين”أ.هـ. وكذا في : “كشاف القناع” (1/474) في آخرين .

هذا، والحمد لله، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه .

وكَتَبَ/

(صالحُ بنُ مُحمَّدٍ الأَسْمَرِيّ)
لَطَفَ اللهُ به

الدِّيارُ الحِجازِيَّةُ ببلادِ الحَرَمَين
حَرَسَها اللهُ

 

Share this...
Print this page
Print
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *