التَّقْرِير على نَظْمِ أُصُولِ التَّفْسِير

 

نموذج:

 

  • المقدمة الثانية: في بيان (المبادئ العشرة لعلم التفسير) والمبادئ العشرة ل(العلوم) بعد انقلابها صناعة= نظمها جمع، ومنهم: أبو العِرفان محمد الصَّبَّان (ت/1206هـ) رحمه الله تعالى، فقد قال في: (حاشيته على شرح شيخه الملَّوِي على السُّلُّم في المنطِق): (وقد نظمت العَشَرَة فقلت:

 

إنَّ مبادي كل فنٍّ عشرهْ=الحد والموضوع ثم الثمرهْ

ونسبة وفضله والواضعْ=والاسم الاستمداد حكم الشارعْ

مسائل والبعض بالبعض اكتفى=ومن درى الجميع حاز الشرفا) انتهى.

 

وقد أفردها بعضهم بالتصنيف مبيناً تلك المبادئ مع العلوم، كابن أبي عُلْيان المرزوقي –رحمه الله- في كتابه (اللؤلؤ المنظوم في مبادئ العلوم)، وابن مِشْعال العدوي –رحمه الله- في كتابه (مِنَحُ الحي القيوم في مبادئ مشاهير العلوم).

 

عليه: فإن مبادئ (علم التفسير) عَرَّفها في: (المنح) بقوله: (مبادئ علم التفسير:

 

  • حده: التفسير لغة: مشتق من فَسْر، والفسر البيان وبابه ضرب والتفسير مثله، واستفسره كذا: سأله أن يفسره.

 

  • التفسير اصطلاحاً: علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن الكريم، وعن مدلولاتها وعن أحكامها الإفرادية والتركيبية وعن معانيها التي تحمل عليها حالة التركيب وعن ترجيحات ذلك.

 

  • موضوعه: القرآن الكريم من حيث بيان كيفية النطق وبيان مدلولاته وعن أحكامه الإفرادية والتركيبية وعن معانيه التي تحمل عليها حالة التركيب وعن ترجيحات ذلك.

 

  • ثمرته: عصمة المكلف عن الخطأ في فهم كلام الله تعالى، وغايته معرفة أوامره ونواهيه.

 

  • فضله: فضله جزيل إذ به تعرف أوامر القرآن ونواهيه فيمتثل الأوامر، ويجتنب النواهي من اصطفاه الله تعالى.

 

  • نسبته: التباين، أي أنه من العلوم الشرعية.

 

  • واضعه: بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن جاء بعدهم من المجتهدين.

 

  • اسمه: التفسير.

 

  • استمداده: من السنة، ومن علوم العربية وأصول الفقه.

 

  • حكم الشارع فيه: الوجوب العيني على من أتقن علم البلاغة إذا انفرد، والكفائي إن تعدد.

 

  • مسائله: الأمور والمعاني التي يَبين بها القرآن الكريم) انتهى.

 

  • وينبه هنا لشيئين:

 

  • أولهما: أن (علم التفسير) هو من أنواع (علوم القرآن)، فلا يصح تعريفه بحد ينطبق على (علوم القرآن) كما هو ظاهر في المنقول بعاليه، لذا فأحسن من ذلك ما قاله البدر الزركشي رحمه الله تعالى في (البرهان): “(علم التفسير): علم يبحث فيه عن أحوال القرآن المجيد من حيث دلالته على مراد الله تعالى، بقَدْر الطاقة البشرية”. أو ما قاله الشريف الجُرْجاني (ت/816هـ) رحمه الله تعالى في: (التعريف): (توضيح معنى الآية، وشأنها، وقصتها، والسبب الذي نزلت فيه، بلفظ يدل عليه دلالة ظاهرة).

 

  • والثاني: أن ل(علم التفسير) شرفاً على العلوم من جهات، وقد أجملها الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى في: (المفردات) بقوله: “شرف (علم التفسير) من وجوه:

 

  • أحدها: من جهة الموضوع، فإن موضوعه كلام الله تعالى.

 

  • وثانيها: من جهة الغرض، فإن الغرض منه الاعتصام بالعروة الوثقى، والوصول إلى السعادة الحقيقية التي هي الغاية القصوى.

 

  • وثالثها: من جهة شدة الحاجة…فكل كمال ديني أو دنيوي مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى”. انتهى.

 

  • تنبيه: أَلَّفَ الأئمة في تفسير القرآن كتباً، ويمكن جعلها على نوعين:

 

  • أولهما: كتب عنيت بما أثر عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في (التفسير)، وهذه أصولها أربعة – كما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله – قال الجلال السيوطي رحمه الله تعالى في خاتمة: “الدر المنثور”: قال الحافظ ابن حجر في أول كتابه: “أسباب النزول” وسماه: “العجاب في بيان الأسباب”: (الذين اعتنوا بجمع التفسير المسند من طبقة الأئمة الستة أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ويليه أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري وأبو محمد عبدالرحمن بن أبي حاتم بن إدريس الرازي ومن طبقة شيوخهم عبد بن حميد بن نصر الكشي فهذه التفاسير الأربعة قَلَّ أن يشذَّ عنها شيء من التفسير المرفوع والموقوف على الصحابة والمقطوع عن التابعين وقد أضاف الطبري إلى النقل المستوعب أشياء لم يشاركوه فيها)” انتهى المراد. وغدا (تفسير ابن جرير) قبلة العلماء، حتى قال النووي رحمه الله تعالى: “أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري”.

 

ثم إن هناك من جاء بعدهم يَتَغَيّى [جعله: غايته] ذلك، كالعماد ابن كثير –رحمه الله تعالى- في (تفسيره)، ذلك أنه اتخذ (تفسير ابن جرير) أصلاً له لكن مع تهذيب وتعقب، وقد أجاد فيه حتى قال عنه الجلال السيوطي –رحمه الله تعالى- في: “طبقات الحفاظ”(ص/534): ” لم يؤلف على نمطه مثله”.

 

إلا أن الجلال السيوطي -رحمه الله تعالى- ألف في جمع (المأثور) ما انفرد به، وذلك في كتابه: “الدر المنثور في التفسير المأثور”، فجدد من (المأثور) الدارس، وجمع ما تفرق للدارس، لذا قال عنه الملا علي القاري – رحمه الله تعالى – في: “شرح المشكاة” :” أحيا (علم التفسير) في: “الدر المنثور” “.

 

  • والثاني: ما اعتمد فيه أصحابه ما اشتهر من (صناعة علمية) للكتب عند المتأخرين، فمن تلك التفاسير المشهورة (تفسير القاضي البيضاوي) [ت/691] رحمه الله تعالى، والذي يقول عنه الشهاب في فاتحة حاشيته عليه: “وكانت مناهل تفسيره تردها سابلة الأفهام، والمورد العذب كثير الزحام، وتفسير (البيضاوي) له من بينها اليد البيضاء، لاقتناصه رواتع الأصلين وبدائع الشريعة الغراء، وقد تقدم رتبة وإن جاز منه أخيراً، فلسان حاله يتلو :{ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً}[الفرقان: 33]، وإن أمعنت في تأويله نظراً ليس حسيراً ولا كليلاً، فهو خير وأحسن تأويلاً” انتهى.

 

والقاضي البيضاوي – رحمه الله تعالى- قد اتخذ تفسير: “الكشاف” و “التفسير الكبير للفخر الرازي” أصلاً له في مدلول الآي، لكنه شافعي أصولاً [ومرجعه غالباً ل: “المحصول” للفخر الرازي رحمه الله تعالى] وفروعاً [فهو يقرر الأحكام الفقهية على المذهب الشافعي وينتصر له]، ومن متكلمي الأشاعرة المعروفين.

 

  • وينبغي التنبيه هنا إلى ما اشتهر في (العصر الحديث) من تسمية نوعي التفسير بالمأثور والرأي، وما رتب عليها من غمز للتفاسير المشهورة ك(الفخر الرازي، والبيضاوي)، مع محاولة قصر (التفسير) على (المأثور).. وممن قرر تلك القسمة بنوعيها الزُّرْقاني (ت/1367هـ) رحمه الله تعالى في: “مناهل العرفان”(2/12)، ومن تقريراته فيه قوله: “وأما ما ينقل عن التابعين ففيه خلاف بين العلماء: منهم من اعتبره من المأثور، لأنهم تلقوه من الصحابة غالباً، ومنهم من قال: إنه من التفسير بالرأي”  

         

وقد أظهر العلامة محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى في “التحرير والتنوير” (1/32-33) موجباً لعدم صحة ذلك، حيث قال: “أما الذين جمدوا على القول بأن تفسير القرآن يجب ألا يعدوا ما هو مأثور، فهم رموا هذه الكلمة على عواهنها، ولم يضبطوا مرادهم من المأثور عمن يؤثر.

 

  • فإن أرادوا به ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من تفسير بعض آيات إن كان مروياً بسند مقبول من صحيح أو حسن، فإذا التزموا هذا الظن بهم فقد ضيقوا سعة معاني القرآن، وينابيع ما يستنبط من علومه، وناقضوا أنفسهم فيما دونوه من التفاسير، وغلطوا سلفهم فيما تأولوه، إذ لا ملجأ لهم من الاعتراف بأن أئمة المسلمين من الصحابة فمن بعدهم لم يقصروا أنفسهم على أن يرووا ما بلغهم من تفسير النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سأل عمر بن الخطاب أهل العلم عن معاني آيات كثيرة ولم يشترط عليهم أن يرووا له ما بلغهم في تفسيرها عن النبي صلى الله عليه وسلم.

 

  • وإن أرادوا بالمأثور ما روي عن النبي وعن الصحابة خاصة وهو ما يظهر من صنيع السيوطي في تفسيره الدر المنثور لم يتسع ذلك المضيق إلا قليلاً، ولم يغن عن أهل التفسير فتيلاً، لأن أكثر الصحابة لا يؤثر عنهم في التفسير إلا شيء قليل سوى ما يروى عن علي بن أبي طالب على ما فيه من صحيح وضعيف وموضوع …

 

  • وإن أرادوا بالمأثور ما كان مروياً قبل تدوين التفاسير الأُوَل مثل ما يروى عن أصحاب ابن عباس وأصحاب ابن مسعود، فقد أخذوا يفتحون الباب من شقه، ويقربون ما بعد من الشقة، إذ لا محيص لهم من الاعتراف بأن التابعين قالوا أقوالاً في معاني القرآن لم يسندوها ولا ادعوا أنها محذوفة الأسانيد، وقد اختلفت أقوالهم في معاني آيات كثيرة اختلافاً ينبئ إنباء واضحاً، بأنهم إنما تأولوا تلك الآيات من أفهامهم، كما يعلمه من له علم بأقوالهم، وهي ثابتة في تفسير الطبري ونظرائه.

 

وقد التزم الطبري في تفسيره أن يقتصر على ما هو مروي عن الصحابة والتابعين، لكنه لا يلبث في كل آية أن يتخطى ذلك إلى اختياره منها، وترجيح بعضها على بعض بشواهد من كلام العرب، وحسبه بذلك تجاوزا لما حدده من الاقتصار على التفسير بالمأثور، وذلك طريق ليس بنهج، وقد سبقه إليه بقي بن مخلد، ولم نقف على تفسيره، وشاكل الطبري فيه معاصروه، مثل ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم، فلله در الذين لم يحبسوا أنفسهم في تفسير القرآن على ما هو مأثور، مثل الفراء وأبي عبيدة من الأولين، والزجاج والرماني ممن بعدهم، ثم من سلكوا طريقهم، مثل الزمخشري وابن عطية”.

 

 

وكَتَبَ/

(صالحُ بنُ مُحمَّدٍ الأَسْمَرِيّ)
لَطَفَ اللهُ به

الدِّيارُ الحِجازِيَّةُ ببلادِ الحَرَمَين
حَرَسَها اللهُ

 

 

 

Share this...
Print this page
Print
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Share on Google+
Google+
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
1
0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *