الموفي بتبرأة الطوفي

 

 

 

     الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد :

     فإن العلامة نجم الدين سليمان بن عبدالقوي الطُّوفي (بضم الطاء المهملة،نسبة لقرية طوفى من أعمال صرصر تبعد فرسخين عن بغداد، كما في: “ذيل الطبقات”(2/366) ) والمتوفى سنة (716هـ)رحمه الله  تعالى قد اتُّهِم بالرفض والتشيع ، واستُدِل على ذلك بجملة أدلة :

ـ أولها : مقولةٌ للطوفي رحمه الله في كتابه : [شرح الأربعين النووية] حيث قال: “اعلم أن من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء تعارض الروايات والنصوص . وبعض الناس يَزْعم أن السبب في ذلك عمر بن الخطاب ؛ وذلك أن الصحابة استأذنوه في تدوين السنة في ذلك الزمان فمنعهم من ذلك ، وقال : لا أكتب مع القرآن غيره ، مع علمه أن النبي r  قال : اكتبوا لأبي شاة خطبة الوداع . وقال : قيدوا العلم بالكتابة . قالوا : فلو ترك الصحابة يدون كل واحد منهم ما روى عن النبي r  لانضبطتْ السنة ، ولم يَبقَ بين آخر الأمة وبين النبي r  في كل حديث إلا الصحابي الذي دوّن روايتـه ؛ لأن تلك الدواوين كانت تتواتر عنهم إلينا كما تواتر البخاري ومسلم ونحوهما” .

وثانيها : بيت من الشِّعر  قاله الطوفي رحمه الله ، وهو :

هَذِه إَحْدَى العِبَر

كَمْ بَيْنَ مَنْ شُكَّ في خِلافَتِهِ
 

ورابعها : صُحْبَتُهُ ـ في آخر عُمره ـ لمحمد السَّكاكِيْني الرافضي الشيعي بل شيخ الشيعة بدمشق .

وخامسها : أنه عُزِّر على الرفض وحُبِسَ ، عَزَّرَه شيخُهُ قاضي قضاة الحنابلة سعد الدين الحارثي رحمه الله .

وسادسها : ذكر تشيعه غير واحد من أرباب السير والتاريخ ، مع قُرْب عهدهم به بل بعضهم عاصره؛كالذهبي رحمه الله في :[ذيل تاريخ الإسلام]، وابن جماعة رحمه الله في : [التعليقة في أخبار الشعراء] .

        غير أن هذه الدلائل على تشيُّعِ الطوفي رحمه الله لا تكاد تثبت على بساط التحقيق ، وهذا أَوَان تَفْنِيْدها ، وبيان زَيْفِها ، والله المستعان .

          فأما مقولته رحمه الله في : [شرح الأربعين النووية] ـ التي عَقَّبَ عليها ابن رجب رحمه الله في : [ذيل الطبقات] بقوله : “فانْظُر إلى هذا الكلام الخبيث ، المُتضمِّن أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه : هو الذي أضَلَّ الأمة قصداً منه وتعمداً ، ولقد كَذَبَ في ذلك وفَجَر” وقال قبلها : “ومن دسائسه الخبيثة” ـ فلا دلالة على تشيعه ورفضه فيها، وبيان ذلك من أوجه :

أولها : أنه ناقل لا قائل، وفَرْقٌ بينهما، ويدل عليه قوله رحمه الله : “وبعض الناس يزعم أن السبب … “.

        ثم إن لازم القول ليس بمذهبٍ لصاحبه ما لم يَلْتَزمه ؛ فضلاً عن لازمِ قولٍ نَقَلَهُ ، وفي ذلك يقول تقي الدين ابن تيمية رحمه الله في : [مجموع الفتاوى] : “الصواب أن مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يَلْتزمه” . ويقول أيضاً : “فلازم المذهب ليس بمذهب ؛ إلا أن يَلْتزمه صاحب المذهب . فخلق كثير مـن الناس يَنْفُون ألفاظاً أو يثبتونها ، بل يَنْفُون معاني أو يُثبِتُوْنها ويكون ذلك مستلزماً لأمور هي كفر وهم لا يعلمون بالملازمة” .

وثانيهـا : أنه حكى القول السابق بلفظة : يزعم ؛ الدالة على توهين الكلام المحكي بعدها . يقول الخطابي رحمه الله في : [معالم السنن] : “وإنما يقال: زعموا ؛في حديث لا سند له ، ولا ثبت فيه . وإنما هو شيء يُحْكى على الألسن على سبيل البلاغ” . لذا قال شريح رحمه الله : “زعموا ؛ كُنْيَةُ الكذب” رواه ابن سعد في : [الطبقات] . وجاء في : [سنن أبي داود] عن أبي مسعود مرفوعاً : ((بِئْسَ مَطِيَّةُ الرجل : زعموا

كم بَيْن مَنْ شُكَّ في خِلافتِه     وبَيْن مَنْ قيل : إنَّه الله

يعني : علياً . فقال الجمهوري : خذ مثل هذا من النصراني في عيسى ومحمد ؛ إذ يقول لك:

كَمْ بَيْن مَنْ شُكَّ في رسالتِه        وبَيْن مَنْ قيل : إنَّه الله

فانقطع الشيعي” .

* وأما صحبته للسَّكَاكِيْني ـ نسبةً إلى صناعة السَّكاكين ـ ؛ فقد أثبتها واستدلَّ بها على تشيُّعه ابن رجب رحمه الله في كتابه : [ذيل الطبقات] ، غير أن في دلالتها على الرفض والتشيع نظراً ، وبيانه .

        أن ما كل صحبةٍ تُوجِب الرِّضا بما عند المصاحَب من مخالفات ؛ وإن كان من أهل البدع؛ إذ قد يُصْحَب لنُصْحِهِ ، وتأليف قلبه على السُّنَّة ، خاصة من قِبَلِ العالم الفقيه . وإن كان الأصل : هو هجر أهل البدع ، وعدم صحبتهم ومجالستهم ،يقول الحجاوي رحمه الله في: “شرح منظومة الآداب”(ص/179-النوادر) : “يجب هجر من كفر أو فسق ببدعته، أو دعا إلى بدعة مضلَّة أو مُفسِّقة، وهم أهل الأهواء والبدع، المخالفون لما لا يسوغ فيه الخلاف؛ كالقائلين بخلق القرآن، ونفي القَدَر، ونفي الرُّؤْية. وكالمشبهة والمجسمة، والمرجئة الذين يعتقدون أن الإيمان قول بلا عمل، والجهمية والإباضية، والحَرُورية والواقفية واللَّفْظية والرافضة والخوارج وأمثالهم” اهـ المراد.

        ثم إن السكاكيني لم يكن غالياً ، سابّاً للصحابة ، بل كان ذا ديانة ، وقُرْبٍ من السنة. قال عنه التقي ابن تيمية رحمه الله ـ كما في [الدرر] لابن حجر ـ : “هو ممن يتسنَّن به الشيعي ، ويتشيع به السُّنِّي” ، وجاء في : [ذيل العبر] : عنه : “وكان لا يغلو ، ولا يسب معيناً ، ولديه فضائل” . وقال ابن حجر رحمه الله في : [الدرر الكامنة] : “ولم يُحْفظ لـه سَبّ في الصحابة بل له نظم في فضائلهم ، .. وعنده تعبُّد وسَعَة علم” ، وقال : “وقال الذهبي : (كان حلو المجالسة ذكيّاً عالماً ، فيه اعتزال ، ويَنْطوي على دين وإسلام وتعبّد)”.

بل حكى الذهبي رحمه الله ـ كما في : [الدرر] لابن حجر ـ رُجُوْعَ السَّكاكيني إلى السُّنَّة في آخر عمره ، وقال : “ونَسَخَ صحيح البخاري” .

        ثم إن الذهبي رحمه الله جالس السكاكيني وأخذ عنه ، وقـال : “وكان صديقاً لأبي”، وكذلك سَمِع منه البرزالي رحمه الله .

        وأما التَّعْزِير الذي لَحِقه من قِبَل : سعد الدين الحارثي رحمه الله ؛ فَأثْبَتَهُ جماعة من معاصري الطوفي رحمه الله ، ومنهم : الأدفوي ، والصفدي،وتاج الدين القيسي رحمهم الله .

        ويحكي تاج الدين القيسي رحمه الله تلك الواقعة فيقول : “قدم علينا ـ يعني : قَدِم مصر ـ في زِيِّ أهل الفقر ، وأقام على ذلك مُدَّة ، ثم تَقَدَّم عند الحنابلة، وتَّولى الإعادة في بعض مدارسهم ، وصار له ذكر بينهم . وكان يشارك في علوم … ، واشتهر عنه الرفض، والوقوع في أبي بكر وعائشة رضي الله عنهما وفي غيرهما من جملة الصحابة رضي الله عنهم. وظهر له في هذا المعنى أشعار بخطه ؛ نقلها عنه بعض من كان يصحبه ويُظْهر موافقة له ، منها قوله في قصيدة :

كم بَيْن من شُكَّ في خلافته    وبَيْن من قيل : إنَّه الله

فرفع أمر ذلك إلى قاضي قضاة الحنابلة : سعد الدين الحارثي ، وقامت عليه بذلك البينة ، فتقدم إلى بعض نوابه بضربه وتعزيره وإشهاره ، وطيف به ، ونودي عليه بذلك ، وصُرِف عن جميع ما كان بِيَدِه من المدارس ، وحُبِسَ أياماً ، ثم أُطلق ؛ فخرج من حينه مسافراً ، فبلغ إلى قوص من صعيد مصر” انتهى . ويقول الذهبي : “وعُزِّر بالرفض بالقاهرة على حمار”.

        وهذه الواقعة ، وإن صحَّت ؛ ففي صِدْق التُّهْمة التي عُزِّر عليها الطوفي رحمه الله نظر ويَسْتَبين ذلك بمجموعة ضمائم :

أولها : أن الطوفي رحمه الله قبل قُدُومه القاهرة ، لم يُعْرَف عنه الرفض . وجملة مشايخه الذين أَخَذ عنهم ليس منهم رافضي . ويؤكده ما قاله الحافظ البرزالي رحمه الله في : [المقتفى] والبرزالي من شيوخ الطوفي قبل مجيئه القاهرة ـ “هو : الشيخ الإمام العالم الفاضل نجم الدين سليمان بن … ، وكان رجلاً فاضلاً ، واتُّهِم بالقاهرة بالرفض” .

ثانيها : أن الطوفي رحمه الله قَضَى بالقاهرة سنين لا يُعْرف عنه إلا السُّنَّة ، حتى وقَعَتْ بينه وبين شيخه الحارثي واقعة ، فاتُّهِم عندها بالرفض والتشيُّع ، ثم عُزِّر وضُرب من قِبل الحارثي  .

        يقول الصَّفَدِي رحمه الله : “كان ـ يعني : الطوفي ـ وقع له بمصر واقعة مع سعد الدين الحارثي ، وذلك أنه كان يحضر دروسه فيُكْرمه ويُبَجِّله ، وقرَّرَه في أكثر مدارس الحنابلة ، فتبسَّط عليه إلى أنْ كَلَّمه في الدرس بكلام غليظ ؛ فقام عليه ولده شمس الدين عبد الرحمن ، وفَوَّض أمره لبدر الدين بن الحبال ، فشهدوا عليه بالرفض ، وأخرجوا بخطه هَجْواً في الشيخين فعُزِّر وضُرِب” .

        ويقول الأدفوي رحمه الله : “كان قاضي القضاة ـ الحارثي ـ يُكرمه ويُبَجِّله ، فرتَّبَهُ في مواضع في دروس الحنابلة ، وأحسن إليه ، ثم أُوقع بينهما ، وكَلَّمه في الدرس كلاماً لا يناسب الأدب ، فقام عليه شمس الدين ـ ابن الحارثي ـ ، وفوَّض أمره إلى بدر الدين الحبال ـ أحد النواب ـ فأشهدوا عليه بالرَّفض فضرب” .

ثالثها : أن الطوفي رحمه الله لم يكن مجهول الحال في مصر قبل التهمة ، بل حَصَل له ذِكْرٌ وتَقَدُّمٌ فيها ، ودَرَّس في أكثر مدارس الحنابلة . وكان للحارثي رحمه الله اليَدُ الطُّوْلى في تَقَدُّم الطوفي رحمه الله وتدريسه ، ولم تقع بينهما الواقعة إلا بعدما وَليَ الحارثي رحمه الله القضاء من قِبَلِ المظفر بيبرس ، وكان ذلك يوم الثلاثاء لثلاثٍ خَلَوْنَ من شهر ربيع الآخر لسنة تسع وسبعمائة . وكان دخول الطوفي رحمه الله القاهرة سنة خمس وسبعمائة ، قاله ابن رجب رحمه الله في : [الذيل] .

رابعها : أن الأدفوي رحمه الله عند ذكره الواقعة بين الطوفي وشيخه الحارثي قال : “ثم أُوْقِع بَيْنَهما ، وكَلَّمه في الدرس كلاماً لا يناسب الأدب..”. ثم قال : “وتوجه من القاهرة إلى قوص وأقام بها سنين (كذا) ، .. ولم نر منه بعد ذلك ولا سمعنا شيئاً يشين ، ولم يزل ملازماً للاشتغال وقراءة الحديث والمطالعة والتصنيف وحضور الدروس معنا إلى حين سفره إلى الحجاز” .

        وكلام الأدفوي رحمه الله السابق يؤخذ منه أمران :

الأول : أن الحادثة التي حَصَلَتْ بين الطُّوفي وشيخه ؛ استُغِلَّتْ للإيقاع بينهما.

الثاني : أنه لم يَرَ ويَسْمَع ما يَشِين عن الطوفي رحمه الله مدة مُكْثه في قوص . مع اشتغال الطوفي رحمه الله في الحديث .

خامسها : أن مما أُخِذ على الطوفي رحمه الله عند تعزيره قوله : (كَم بَيْن مَنْ شُكَّ..). كما ذكره تاج الدين القيسي رحمه الله . وسبق أن الطوفي رحمه الله قاله في كتابه : [جدل القرآن] وعلى لسان شيعي في مناظرة . وكان انتهاء الطوفي منه قُبَيْل الظهر من يوم الأحد أول شعبان من سنة تسع وسبعمائة . كذا في آخر [جدل القرآن] .

        وأما كون بعض معاصريه فمن بَعْدُ من المؤرخين قد نَبَزَه بالرفض والتشيع ؛ فهو نوعان:

الأول : نبـز اعتمد فيه صاحبه على بعض ما سبق من دلائل ، فله حكمها . وقد مضى تفنيدها .

الثاني : نبز بالرفض ، لم يَذْكر فيه صاحبه معتمده فيه . وهذا النوع وقع لأئمة هم : 

ـ الذهبي رحمه الله في كتابه : [العبر] ، حيث قال : “الطوفي ، الحنبلي ، الشيعي ، الشاعر..” غير أنه أبان عن دلائل نبزه له بالتشيع في : [ذيل تاريخ الإسلام] ، وهي راجعة لبعض ما سبق تفنيده من دلائل .

ـ ابن جماعة رحمه الله في كتابه : [التعليقة في أخبار الشعراء] ، حيث قال : “وكان شيعياً خبيث اللسان ؛ حتى في الشيخين” ولعلَّه اعْتَمَدَ على الواقعة التي حصلتْ للطوفي مع شيخه الحارثي لقول ابن جماعة بَعْدُ : “واطلع قاضي القضاء سعد الدين الحارثي الحنبلي رحمه الله على ذلك منه ؛ بعد أن أحسن إليه ونزله في دروس الحنابلة فعزره بسبب ذلك وأشهر أمره” .

ـ الصفدي رحمه الله ـ عن : [بغية الوعاة] للسيوطي ـ ؛ حيث قال : “كان شيعياً ؛ يتظاهر بذلك” . ولعله اعتمد أيضاً على واقعة الطوفي مع شيخه الحارثي لقوله بَعدها : “وُجد بخطه هجو في الشيخين ، ففوِّض أمره إلى بعض القضاة ، وشُهد عليه بالرفض ، فضُرِب ونفي إلى قوص فلم يُرَ منه بعد ذلك ما يشين” . مع أنه ـ أعني : الصفدي ـ لم يَذْكر عن الطوفي ما يشين في كتابه : [أعيان العصر] ، بل ذكر عنه سيرة حسنة وختمها بقوله : “ولم يَزَل كذلك إلى أن تُوفِّي رحمه الله تعالى” .

ـ القطب الحلبي رحمه الله ـ عن : [الدرر] لابن حجر ـ ؛ حيث قال : “وكان يُتَّهَم بالرفض، وله قصيدة يَغُضُّ فيها من بَعْض الصحابة” . ولعلَّه عَنَى ما سَبَقَ من أبيات نُسِبتْ إلى الطوفي رحمه الله ، فإن كان المعنيُّ غيرها فأقل ما يقال : إنه قد تاب من ذلك بأَخَرة قال البرازلي في : [المقتفى] : “وبلغني أنه تاب قبل وفاته من ذلك ـ يعني : الرفض ـ ، ومن هجو الناس”. وقال الذهبي في : [ذيل تاريخ الإسلام] : “وقيل : تاب في الآخر من الرفض والهجاء” .

        وعلى كلٍّ فهذا الضَّرْب من النبز ، الذي لم يُصرَّح ببرهانه ، مع مثل الطوفي رحمه الله المعروف قبل تُهْمة التشيع بالسنة والتمذهب الحنبلي ، لا يُعْتَمد . على نحو ما قاله أحمد رحمه الله ـ كما في : [تهذيب التهذيب] لابن حجر ـ : “كل رجل ثبتَتْ عدالته ؛ لم يُقْبل فيه تَجْرِيح أحد حتى يَبِيْن ذلك عليه بأمرٍ لا يَحْتَمل غير جَرْحه” . وإلى هذا المعنى أشار العراقي رحمه الله في : [ألفية الحديث] بقوله :

* ومما يؤكِّد براءة الطوفي رحمه الله من تُهَمة الرفض والتشيُّع جملةِ أمور :

      أولها : انتصاره لأهل السنة في كتابه : [الإشارات الإلهية] ، وبيان زَيْف استدلال الشيعة في خمس وخمسين آية منه . ومنها قوله عند قوله تعالى : (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة…) : “احتج بها الجمهور على فضل … وأجابت الشيعة لعنهم الله بأن المراد فضل المال وكثرته …” . ومنها قوله أيضاً عند قوله تعالى : (وقرن في بيوتكن) : “تعلَّق بها الشيعة أخزاهم الله على عائشة ، ويقولون : …” . ومنها قوله عند قول الله : “ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط” : “زعمت الشيعة الرافضة لعنهم الله أنه يُعَرّض بعائشة وحفصة ، وأنهما كامرأتي نوح ولوط في النار لتظاهرهما على رسول اللهr  وأذاهما له . وزعموا لعنهم الله … ” .

        وللطوفي رحمه الله عبارات بنحو ما سبق في كتب أخرى له ، منها كتابه : [الصعقة الغضبية] ، الذي أَلَّفه قبل سنة أربع وسبعمائة ، يقول فيه : “… إلا أن للرافضة أصلاً خبيثاً باطلاً ؛ وهو أنهم لا يقبلون رواية الصحابة لمرض في قلوبهم عليهم ، وليس هذا موضع الرد عليهم في ذلك الأصل” .

        ثانيها : تصريحه رحمه الله بانتسابه إلى أهل السنة والجماعة ، وترجيحه مذهبهم على غيرهم . وهذا ثابت في مواضع من كتبه . منها : قوله في : [قدوة المهتدين إلى مقاصد الدين] : ـ والمفروغ من تأليفه سادس عشر رجب الفرد ، سنة إحدى عشرة وسبعمائة بالقاهرة ، كما في آخر الكــتاب ـ: “إن الناس اختلفوا في آيات الصفات وأخبارها ، نحو : (بل يداه مبسوطتان) ، (ويبقى وجه ربك) ، (يوم يكشف عن ساق) . وحديث القدم والأصبع والضحك والتواجد ، ونحوها وهي كثيرة .

        فمنهم من حملها على ظواهرها المتعارفة ؛ فجَسَّم ومَثَّل . ومنهم من تأولها على معان مجملة في الجملة ، فراراً من التجسيم ؛ فأبطل وعطل . ومنهم من جعلها ألفاظاً مشتركة بين صفات المخلوقين وصفات الله عز وجل ، حقائق بالنسبة لذاته المقدسة ؛ كالعين المشترك بين عين الماء وعين الذهب . فتقول: لي يد حقيقة ، ولله عز وجل يد حقيقة ولا اشتراك بين اليدين إلا في لفظ اليد . أما مدلولها فيد الله حقيقة لائقة به عز وجل ، كما أن لي ذاتاً ولله عز وجل ذاتاً ، ولا اشتراك إلا في الاسم . وهذا رأي الحنابلة وجمهور أهل السنة ، وهو مذهب جيد صحيح” . وبنحوه قال في : [شرح مختصر الروضة] عند الكلام عن : التكليف بالمعدوم . ويقول فيه ـ في موضع آخر ـ : “لم يُنْقَل عند أحد من السلف القول بخلق القرآن .. ، إن السلف ما زالوا شديدين على من قال بخلق القرآن تكفيراً وتبديعاً ، ولعناً وسباً ، حتى ظَهَرتْ البدعة بخلق القرآن” .

        ومن ذلك قوله رحمه الله في : [الإشارات الإلهية] : “اعلم أن الناس اختلفوا في أن الله تعالى هل يجوز أن يُرَى في الدار الآخرة أم لا ؟ مع إجماعهم على أنه لا يرى في الدنيا . . وأما أصحابنا وعامة السلف من الصحابة والتابعين وأهل الحديث : فيعتقدون جواز الرؤية مع اعتقادهم أن الله تعالى في جهة السماء على العرش ، وأنه مع ذلك ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ..” ثم أخذ رحمه الله في الانتصار لقول أهل السنة والجماعة وتفنيد غيره من الأقوال .

    وثالثها : ما قرره مؤرخو الشيعة من كون الطوفي رحمه الله ليس منهم ، وأنه سُنيٌّ حنبلي . وفي ذلك يقول الخونساري الشيعي في كتابه : [روضات الجنات] ص 323 : “ولم نجد في تراجم الشيعة ، ومعاجم الإمامية : ما يدل على كون الرجل ـ يعني : الطوفي ـ منهم ، فضلاً عن كونه من جملة فقهائهم ومجتهديهم . ولو كان ما ذكره الصفدي في حقه صحيحاً ـ يعني : كونه شيعياً ـ لما خفي ذكره عن أهل الحق ـ يعني : الشيعة ـ ، ولما ناسب وصف الحافظ السيوطي إياه بالحنبلية ، مع أنها ـ أي : الحنبلية ـ أبعد مذاهب العامة ـ يعني : غير الشيعة ـ عن طريقة هذه الطائفة الخاصة ـ أي: الشيعة ـ كما أشير إلى ذلك في ترجمة أحمد بن حنبل ، فليتأمل” .

      رابعها : عناية الطوفي رحمه الله بالحديث النبوي دراسة وتعليماً وتصنيفاً ، وهذا فيه دلالة على عدم تشيعه ؛ حيث إن الشيعة ليس لديهم اعتناء بالسنة . يقول التقي ابن تيمية رحمه الله في : [منهاج السنة] (5/163) : “والرافضة لا تعتني بحفظ القرآن .. ولا تعتني أيضاً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعرفة صحيحه من سقيمه ، والبحث عن معانيه ، ولا تعتني بآثار الصحابة والتابعين…” .

        ومن مصنفات الطوفي رحمه الله في السنة والحديث كتاب : (شرح الأربعين النووية) وكتاب : (شرح حديث أم زرع) ، وكتاب : (مختصر الترمذي) .

  تَتِمَّة :

        لقد أَطْبق مترجمو الطوفي رحمه الله على إمامته ، وعُلوِّ مكانته في العلم ، ودُوْنَك أيها الراغب نُبَذٌ من كلامهم في ذلك :

ـ قال الحافظ البرزالي رحمه الله في : [المقتفى] : “توفي الشيخ الإمام العالم الفاضل نجم الدين سليمان بن … ، وكان رجلاً فاضلاً” .

ـ وجاء في : [ذيل العبر] : “العلامة النجم (كذا) سليمان بن … وكان .. كثير العلم ، عاقلاً ، متديناً”. وفي : [ذيل تاريخ الإسلام] يقول : “العلامة نجم الدين سليمان بن … ، وكان دَيِّناً ساكناً ، قانعاً فقيراً”.

ـ وقال عز الدين الصفدي رحمه الله في : [التعليقة في أخبار الشعراء] : “وكان فاضلاً أديباً له مشاركة في : الحديث ، والأصول ، …. ” .

ـ وقال صلاح الدين الصفدي رحمه الله في : [أعيان العصر] : “كان فقيهاً حنبلياً ، عارفاً بفروع مذهبه ملياً ، شاعراً أديباً ، فاضلاً لبيباً … ” .

ـ وقال ابن رجب رحمه الله في : [ذيل طبقات الحنابلة] : “الفقيه الأصولي المُتَفَنِّن” ، وبنحوه قال البرهان ابن مفلح رحمه الله في : [المقصد الأرشد] ، وابن العماد رحمه الله في :[شذرات الذهب] .

ـ وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في :[الدرر الكامنة] :”كان : قوي الحافظة ، شديد الذكاء” .

وكَتَبَ/

(صالحُ بنُ مُحمَّدٍ الأَسْمَرِيّ)
لَطَفَ اللهُ به

الدِّيارُ الحِجازِيَّةُ ببلادِ الحَرَمَين
حَرَسَها اللهُ

 

 

   

Share this...
Print this page
Print
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *