اَلشَّرْحُ الْحَاوِي لِعَقَائِدِ الطَّحَاوِي

 

نموذج:

 

 

□العَقِيدَةُ الثّانِيَةُ:نَفْيُ العَجْزِ عن مَولانا جَلَّ وعَزَّ،وذَلكَ في قَولِه:(ولا شَيءَ يُعْجِزُهُ)

 

¤”والعَجْزُ أَصْلُهُ التَّأَخُّرُ عن الشَّيءِ،وحُصُولُهُ عند عَجُزِ الأَمْرِ،أَيْ:مُؤَخَّرِهِ،..وصارَ في التَّعارُفِ:اسْماً للقُصُورِ عن فِعْلِ الشَّيءِ،وهُوَ ضِدُّ القُدْرَةِ”[المُفرَدات (ص/547-داوودي) للأَصْفهاني]

كما في قَولِهِ تَعالَى:{واعلَموا أنكم غير معجزي الله}[التوبة:2]ف:”الْمُعْجِزُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ [قَولِهِم]:أَعْجَزَ فُلَانًا= إِذَا جَعَلَهُ عَاجِزًا عَنْ عَمَلٍ مَا،..فَالْمَعْنَى:أَنَّكُمْ غَيْرُ خَارِجِينَ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ”[تفسير ابن عاشور].

 

•وأما العَجْزُ عند أَكْثَرِ مُتَكلِّمي أَهْلِ السُّنَّةِ =ف”هُوَ صِفَةٌ وُجودِيَّةٌ قائمَةٌ بالعاجِزِ لا يَتَأتَّى مَعَها إِيجادٌ ولا إِعْدامٌ، فَبَيْنَهُ وبين القُدرَةِ تَقابُلُ الضِدَّينِ؛لأَنَّهُما مَعنَيانِ وُجُودِيّانِ.

وهذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ،ووَجَّهُوهُ بما في الشّاهِدِ؛مِن أَنَّ في الزَّمَنِ مَعنَىً لا يُوجَدُ في المَمْنُوعِ مِن الفِعْلِ،مع اشْتِراكِهما في عدَمِ التَّمَكُّنِ مِن الفِعْلِ”[حاشية شرح أُمّ البَراهين (ص/210-شمس الدِّين) للدُّسُوقِيّ]

 

•ومُتَعَلَّقُ (العَجْزِ)= المُمْكِنُ:”أَيّ مُمْكِنٍ كانَ،سَواءٌ كان جِرْماً أَو عَرَضاً أَو غَيرَهُما،..

[وفيه] اعلامٌ بأَنَّ (العَجْزَ) إِنَّما يَتَعلَّقُ بِما تَتَعَلَّقُ بِه (القُدْرَةُ)=وهُوَ (المُمْكِناتُ).

وحينئذٍ فَلا يُوصَفُ المَولَى بالعَجْزِ= لأَجْلِ عَدَمِ تَعَلُّقِ قُدْرَتِه ب(الواجِباتِ)، كذاتِه وصِفاتِه -سُبْحانه-،و (المُسْتَحِيلاتِ) كَوَلَدٍ أَوْ شَريكٍ؛ لأَنَّ (الواجِباتِ) و (المُسْتَحيلاتِ) لَيستا مُتَعَلِّقَتَين ب(العَجْزِ)”[حاشية شرح أُمّ البَراهِين (ص/211)للدُّسُوقِيّ]

 

¤ ومِن ثَمَّ فَإِنَّ قَولَ المُصَنِّفِ رَضِيَ اللهُ عنه:(ولا شَيءَ يُعْجِزُهُ)=:”وَصْفٌ لَله بِكمالِ القُدْرَةِ؛
-لأَنَّ وُجودَ كُلِّ مَوجُودٍ سِواهُ =[إِنَّما هُوَ] بإِيجاد [اللهِ لَهُ]؛ فَمُحالٌ أَنْ يُعْجِزَهُ شَيءٌ -سُبحانَه-، فَإِنَّ العَجْزَ نَقْصٌ، واللهُ مَوصُوفٌ بكمالِ القُدْرَةِ، ولا يُوصَفُ بالعَجْزِ، وإِلّا يَلْزَمُ اجْتِماعُ النَّقِيضَينِ -وَهُما:القُدْرَةُ والعَجْزُ-.
-ولأَنَّهُ تَعالَى خالِقٌ لِجَمِيعِ الأَشْياءِ، ولا يُتَصَوَّرُ الخَلْقُ مَعَ العَجْزِ،وإِلَيه الإِشارَةُ بِقَولِه:{أَوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم}[يس:81]”[شرح الغَزْنَوِي (ص/45)].

و تُعَرَّف(القُدْرَةُ) بأنها:”صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ يَتَأتَّى بِها وُجُودُ المُمْكِنِ وعَدَمُه*“[شرح الخَرِيدَة (ص/74-شَنّار)للدَّرْدِير]،وقَدْ صَرَّحَ بها المُصَنِّفُ رَضِيَ اللهُ عنه في قَولِه بَعْدُ:”ذلكَ بأَنَّهُ على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ”.

 

 

 

 

وكَتَبَ/

(صالحُ بنُ مُحمَّدٍ الأَسْمَرِيّ)
لَطَفَ اللهُ به

الدِّيارُ الحِجازِيَّةُ ببلادِ الحَرَمَين
حَرَسَها اللهُ

 

 

……………
* تَعريفُ (الصِّفاتِ الإِلهيَّةِ) إِنَّما هُوَ بما يُمَيِّزُها كالرَّسْمِ،خِلافاً للتَّعْريفِ بالذَّاتِيّاتِ كالحَدِّ؛ لِتَعَذِّرِ مَعْرِفَةِ الذّاتِيَّاتِ في حِقِّ مَولانا جَلَّ وعَزَّ وذلكَ لأَنَّ العُقُولَ مَحْجُوبةٌ عَنْ كَنْهِ ذاتِه تَعالَى وصِفاتِه [حاشية شرْح أُمّ البَراهِين (ص/153-شمس الدين) للدُّسُوقِيّ]

 

** يُنَبَّه هُنا إِلى أَنَّ تَأْثيرَ (القُدْرَةِ) في عَدَمِ المُمْكِنِ=مُختَلَفٌ فيه، وفي ذلكَ يَقول الدُّسُوقِيُّ رَحمَه اللهُ في:”حاشية شرْح أُمِّ البَراهِينِ”(ص/154-شمس الدّين):

“اعلَم أَنَّ تَأثيرَ (القُدْرَةِ) في وُجودِ المُمْكِنِ=أَمْرٌ مُتَّفَقٌ علَيه،وأَمَّا تَأْثَيرُها في عَدَمِ المُمْكِنِ=فَهُوَ ما قالَه الأَقَلُّ كالقاضِي أَبي بكْرٍ الباقِلّانِيِّ ومَن تَبِعَه، واعتَمَدَه السَّنُوسِيُّ في:<شَرْح المُقَدِّمات> وبالَغَ في الاحْتِجاجِ علَيه، وأَمَّا على مَذْهَبِ الأَشْعَرِيِّ وإِمامِ الحَرَمَينِ: فَعَدَمُ الحَوادِثِ سَواء كانتْ جواهرَ أَوْ أَعْراضاً=واقِعٌ بِنَفْسِه لا بالقُدْرَةِ؛ لأَنَّ أَثَرَ القُدْرَةِ عندَهُم لابُدَّ أَنْ يَكونَ وُجودِيّاً،فلا تَتَعلَّقُ القُدْرَةُ بالعَدَمِ عندَهُم،”انتَهَى المُرادُ.

 

 

Share this...
Print this page
Print
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Share on Google+
Google+
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
1
0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *