اَلْخُلَاصَةُ الْلَطِيفَةُ عَلَى الْكَلِمَةِ الشَّرِيفَةِ

 

بطاقة الكتاب     
الكتاب الخلاصة اللطيفة على الكلمة الشريفة
المؤلف الشيخ صالح بن محمد الأسمري
الفهرس
  تمهيد

المقصد الأول : تصور الكلمة الشريفة

المقصد الثاني  : ما صدق الكلمة الشريفة

المقصد الثالث: برهان الكلمة الشريفة

 

 

 

      الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فلما كانت معرفة ( كلمة التوحيد ) المطابق لمراد الله بها نفياً وإثباتاً واجباً على كل مكلف تعيّنَ البيان مع لزوم طريقة أهل الشأن والله المستعان.

***

 

تمهيد:

اعلم ان مجرد النطبق بـ ( كلمة التوحيد ) من غير تحقيق القلب لمعناهالا يكفي في حصول حقيقة الايمان , فلا بد من معرفةٍ لها تطابق مراد الله , ولا يكون ذلك إلا بتصورٍ لماهيتها , ثم تصديقٍ بما حَوَتْه من نفي واثبات .

وقد اجمع العلماء قاطبة على أنه لا بد من فهم معناها , وإلا لم يَنْتفع بها صاحبها في الإنقاذ من الخلود في النار .

قال الله تعالى : (( فاعلم أنه لا اله الا الله )) محمد 191 .

ومعلوم أن التصديق يُقْتَنَص بـ ” البرهان ” وبه تثبت حقيقة النفي والإثبات المشتملة عليها ( كلمة التوحيد ).

لذا كان تقرير كلمة ( لا إله إلا الله ) عبر ثلاثة مقاصد :

أولـها : مقصِد التصور .

وثانيها : مقصِد التصديق .

وثالثها : مقصِد البرهان .

 

المقصد الأول: التصور:

إدراك الماهية من غير حكم عليها هو التصور , والقاعدة : الحكم على الشيء فرع عن تصوره .

والتصور يَحْصُل بالمعرِّفات , وأعلاها : الحد .

عليه : فالكلمة الشريفة قضية خبرية مركبة من أربع مفردات , وهي :

( لا ) , و ( إله ) , و ( إلا ) , و ( الله ).

والتصور : هو إدراك معاني هذه المفردات , لأنه إدراك للماهيِّة من غير حكم عليها بنفي ولا إثبات .

 

فـ ( لا ) حرف موضوع للنفي , وهو مختص بالنكرات . ومعنى ( النفي ) العدم . والعدم يُعرَّف بأنه : أن لا كوْن في العِيَان .

و ( أله ) اسم موضوع للمعبود بالحق .

و ( إلا ) حرف موضوع للإستثناء , والمراد به : الإثبات , ومعنى ( الإثبات ) الوجود .والوجود : هو الكون في العيان .

و ( الله ) اسم موضوع على ذات مولانا جل وعز .

 

المقصد الثاني: التصديق  :

الحكم على الماهية بالنفي أو الإثبات هو التصديق , ومفردات ( الكلمة الشريفة ) قبل التركيب تصور , وأما بعده فتصديق .

عليه : فـ ( لا إله إلا الله ) محتوية على نفي وإثبات , فالمنفي كل فرد من أفراد حقيقة ( الإله ) غيرِ مولانا جل وعز , والمُثْبَت من تلك الحقيقة فرد واحد وهو مولانا جل وعز .

وبيانه : أنَّ ( الإله ) وُضِع على المعبود بحق , وهذا المفهوم لـ ( الإله ) مفهوم كلي , ومعلوم أن المفهوم الكلي يَصْدُق على كل فرد من أفراد حقيقة ( الإله ) وهو المعبود بالحق , إلا أنه لا يمكن عقلاً ولا شرعاً وجود أفراد هذه الحقيقة غير مولانا جل وعلا.

ولا يجوز أنْ يُطْلَق ( الإله ) على غير مولانا جل وعز حقيقةً ولا مجازاً , لأنَّ الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له , و ( الإله ) إنما وضع للمعبود بحق . وأما المجاز فهو استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة بينهما , ومعلوم أنه لا شيء مما سوى الله بينه وبين

( الإله ) علاقة , فلم يبق إلا أنْ يكون استعمال ( الإله ) في غير مولانا غلطاً , وهو استعمال اللفظ في غير ما وضع له لغير علاقة .(1)

وأما اسم الجلالة ( الله ) فعَلَمٌ على الذات الإلهية ,  وهو مولانا جل وعز .

 

 

وهذا المفهوم لـ ( الله ) مفهوم جزئي , والمفهوم الجزئي لا يقبل التعدد وضعاً سواء أكان هنا أم خارجاً , وبهذا يثبت التوحيد المراد من كلمة ( لا إله إلا الله ) وحَمْلُ لفظ الجلالة ( الله )على مفهوم ( المعبود بالحق ) ليكون التقدير: ( لا إله إلا الإِله ) باطلٌ لأوجه :

<!–[if !supportLists]–> 1-                      <!–[endif]–>منها : أنه يلزم استثناء الشيء من نفسه , وفيه اثباتُ الشيء ثمَّ نفيهُ , وهو تناقض في الكلام .

<!–[if !supportLists]–> 2-                      <!–[endif]–>ومنها : أنَّ فيه جعل الجزئي كلياً والكلي جزئياً , وهو باطلٌ , وذلك أنه سيصبح ( الإله ) علماً على الفرد الموجود منه فيكون جزئياً , واسم الجلالة بمعنى المعبود بالحق فيكون كلياً , ومعلوم أنَّ ( لا ) النافية للجنس لا تعمل في المعرفة , مع مافي ذلك من عدم إفادة التوحيد .

ثمَّ إنَّ النفي والإثبات في الكلمة الشريفة لا بد لها من شروط ؛

فأما النفي فله أربعة شروط :

ـ الأول : أنْ يكون مفهوم ( إله ) كلياً لا جزئياً , ومعلوم أنْ ( إله ) كلي لم يوجد من أفراده سوى فرد واحد , وهو مولانا جل وعز , لاستحالة التعدد فيه .

ـ والثاني: أنْ يكون ( الإله ) بمعنى ( المعبود بالحق ) , لا بمعنى ( مطلق المعبود ) ومعلوم أنَّ تقييد المعبود بـ ( الحق ) يفيد أنْ المراد بـ ( الإله ) : المماثل له في ذاته وصفاته , لأن أفراد الحقيقة متماثلة متساوية في جميع صفات النفس , أي : في جميع ما يجب وما يستحيل وما يجوز .

ـ والثالث : أنْ يكون عاماً في كل فرد من أفراد حقيقة ( الإله ) غير مولانا جل وعز لا خاصاً ببعض الافراد , فإنه لا يفيد التوحيد حينئذٍ , لأنه لا يصح التوحيد إلا بنفي كل إله غيره تعالى .

فكلمة : ( لا إله إلا الله ) تفيد عموم الطلب , لا سلب العموم , وبيانه : أنْ ( إله ) نكرة منفية بـ ( لا ), مبنية معها لتضمنها معنى ( مِنْ ) , إذ التقدير ( لا مِنْ إله ) , وهو جواب عن سؤال مقدَّر وهو : ( هل مِنْ إله موجود غير الله ) فحُذِفَتْ ( مِنْ ) .

ـ والرابع : أنْ يكون مقدراً إلى مالانهاية له . وذلك أنْ النفي في ( لا إله ) يشمل نفي كل إله غيره جل وعز من مَبْدأ ما يُقدَّر منها إلى مالا نهاية له مما يُقدَّر , وفائدة التقدير : العلم بوجود المُقَدَّر ليصح نَفْيُهُ , إذ لا يمكن العلم بالمنفي ـ أي : المعدوم ـ إلا بعد تقدير وجوده . فأما إحالة العلم على غير موجود مُحقَّق أو مُقدَّر فذلك مما لاَ يتكَلَّم به عاقل .

 

وأما الإثبات فله شرط واحد , وهو أن يكون الاسم المُعَظم عَلَماً للمفرد الموجود من ( الإله ) .

ثمَّ إنَّ المُثْبَت في كلمة التوحيد يجب أنْ يتقدم على المَنْفي فيها معنى , وإنْ كان العكس لفظاً , ليندفع التناقض بمعنى

( لا إله إلا الله ) , وعليه فتكون الكلمة هكذا ( كل معبود بالحق إلا الله ليس في الوجود ) , وبتقديم الإثبات على النفي يَنْدَفع التناقض الوارد على تقديم النفي على الإثبات , وذلك أنَّ في قولنا ( لا إله ) دخول لمولانا جل وعز , لأن النفي يشمل الفرد الموجود منه , فيقتضي ظاهرُ اللفظ  دخوله في النفي .

وقولنا ( إلا الله ) إثبات له بعد نفيه , وهذا هو عين التناقض المحظور الذي يجب دَفْعه بتقديم الإثبات على النفي .

وقد ذكر العلماء لدفع التناقض المذكور وجوهاً , أقربها مع وضوح أنْ يُقال اسناد الحكم بالنفي لكل فرد من أفراد حقيقة ( الإله ) غير مولانا لا يصح إلا بعد تمام الكلام , ولا يتم الكلام إلا بما يَحْسُن السكوت عليه , ولا يَحْسُن السكوت إلا بعد ذكر الاستثناء .

 

المقصد الثالث: البرهان :

لما كان ( التصديق ) يُحَصَّل بـ ( البرهان ) , و ( البرهان ) مركَّب من مقدِّمات يقينية تعين البيان .

يُنْظَم البرهان كالتالي : ( كل فرد من أفراد حقيقة ” الإله ” غير مولانا مستحيل الوجود , وكل مستحيل الوجود فهو منفي , يَنْتج : كل فرد من أفراد حقيقة الإله غير مولانا منفي , وهو المطلوب ) وفيه مقدمتان :

       ـ الأولى : مقدمة صغرى .

          وهي: ( كل فرد من أفراد حقيقة الإله غير مولانا مستحيل الوجود ).

          وتقريرها : أنَّ وجود فرد من أفراد حقيقة الإله غير مولانا مستحيل , لما يلزم على وجودها

          من الفساد المعلوم ضرورة عدمه .

          ـ الثانية : مقدمة كبرى .

             وهي : ( كل مستحيل الوجود فهو منفي ).

             وتقريرها : أنَّ المستحيل لا يمكن وجوده , أي أنه منفي الوجود , وكل منفي الوجود عدم , فكان المستحيل معدوماً.

 

<!–[if !supportLists]–> –     <!–[endif]–>وأما برهان إثبات الله تعالى  فيُنْظَم كالتالي:

( الله واجب الوجود , وكل واجب الوجود فهو مثبت . ينتج : الله مُثْبَت , وهو المطلوب )

 وفيه مقدمتان :

       ـ الأولى : مقدمة صغرى .

             وهي : ( الله واجب الوجود ) .

             وتقريرها : أنَّ الله يجب وجوده , لاستحالة حدوثه وفنائه ومماثلته للحوادث .

          ـ والثانية : مقدمة كبرى .

             وهي : ( كل واجب الوجود فهو مُثْبَت ) .

             وتقريرها : أن الواجب لا يمكن عدمه , أي أنه مُثْبَت الوجود , وكل مثبت موجود .

 

تنبيه : المنفي في ( كلمة التوحيد ) إنما هو المستحيل الوجود , والمُثْبَت فيها هو الفرد الموجود الواجب الوجود , فلا مدخل للجائز الوجود في نفيها ولا في إثباتها .

فنفي النعبودات الباطلة من نفي ( كلمة التوحيد ) جهالة عظيمة , لأنهلا نزاع في وجودها عقلاً وشرعاً ,

وإنما النزاع في كونها آلهة , وسبق أنها ليست بآلهة عقلاً وشرعاً .

ويُقال أيضاً أنَّ اسم ( الإله ) هو كالكلي في كونه اسماً للمبهم القابل بحسب إدراك معناه أنْ يَصْدُق على كثيرين . وهذه خاصة الكلي ,وإنْ كان ( الإله ) منحصراً في الفرد الموجود منه .

فالكلي هو الموضوع على أسماء المعاني الموضوعة على الحقائق , لا يمكن تبديلها بما يُبَاينها ـ أي : يفارقها ويخالفها ـ من أسماء الأجناس كالإنس مثلاً فلا يمكن تبديلها بغيره من أسماء الأجناس كالفرس ونحوه .

ولما كان هذا أمراً مقدراً عند أهل اللغة العربية , معلوما ًعندهم علماً ضرورياً , لا يمكنهم إنكاره احتجَّ الله به عليهم في إبطال دعاويهم الكاذبة في تسميتهم أصنامهم آلهة , قال تعالى (( وجعلوا لله شركاء قل سموهم )) الرعد 33 .

أي : اذكروا أسماءهم الجنسية , فلو ذكروها لقالوا : حَجَراً أو عُوْداً أو ذهباً أونحاساً أوشمساً أو نهراً أو أنساباً أو مَلَكاً أو شيطاناً أو غير ذلك من أنواع المعبودات الباطلة .

فأسماؤها الجنسية الموضوعة لها لتتميزا بها واجبة لها لا يمكن تَبْديلها بما يباينها من أسماء , أمثالها المشاركة لها في المخلوقية وإمكان الوجود , فكيف يمكن تبدليها باسم الإله الموضوع على المعبود بحق , المنحصر في الفرد الموجود منه , وهو مولانا جل وعلا لاستحالة اطلاقة على غيره تعالى عقلاً وشرعاً .

و لهذا قال بعض العلماء : ( إن الجاهلية كانوا مصيبين في التسمية , مخطئين في التعيين ) ,أي : تسميتهم للمعبود بحق بـ ( الإله ) صواب وتعيينهم غير أفراد المعبود بحق من سائر معبوداتهم الباطلة خطأ يوجب كفرهم بالإجماع , لأن الخطأ في أصل الدين لا خلاف في كفر صاحبه بين الأمة المحمدية .

(1) وأما إطلاق ( الإله ) على غير الله مما ورد في الكتاب والسنة : فمحمول على ما يقتضيه المقام من حكاية أو زعم أو تهكم أو إلزام و به يظهر بطلان القول بدخول المعبودات الباطلة كالأصنام وغيرها في نفي ( لا إله إلا الله ) لأنها ليس بآلهة , قال الله تعالى (( لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها )) .

 

وَكَتَبَ/

(صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسْمَرِيُّ)

لَطَفَ اللهُ بِهِ

الدِّيارُ الْحِجازِيَّةُ

 

 

Share this...
Print this pageEmail this to someoneShare on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
0
0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *