قرة العينين في كشف الوجه واليدين

 

 

 

 بطاقة الكتاب

الكتاب

قُرة العينين في كشف الوجه واليدين

(النشرة الثانية-مزيدة ومصححة)

المؤلف

الشيخ صالح بن محمد الأسمري

الفهرس

 

 

مقدمة

المبحث الأول: في تعيين مسألة البحث

المبحث الثاني: في تحرير المذاهب المتبوعة في المسألة

المبحث الثالث: في حجة القائلين بالجواز مع دفع الإعتراضات

المبحث الرابع: في حجة القائلين بالمنع مع دفع الإعتراضات

المبحث الخامس: في تنبيهات ولواحق

 

خاتمة

 

 

 

 

نموذج

 

 

المبحث الثالث: في حجة القائلين بالجواز مع دفع الإعتراضات

اعلم –رحمني الله وإياك- أن المشهور عند جمهور من الفقهاء هو جواز كشف الوجه واليدين أمام الرجل الأجنبي.

وقد قَرَّر ذلك من الحنفية جماعة ، ومنهم الكاساني رحمه الله تعالى في : “بدائع الصنائع” (5/123) حيث قال : “فلا يجوز النظر من الأجنبي إلى الأجنبية الحرة إلى سائر بدنها إلا الوجه والكفين لقوله تعالى : (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) إلا أن النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة وهي : الوجه والكفان رخص بقوله تعالى : (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) . والمراد من الزينة مواضعها . ومواضع الزينة الظاهرة : الوجه والكفان ، ولأنها تحتاج إلى البيع والشراء، والأخذ والعطاء ، ولا يُمْكنها ذلك عادةً إلا بكشف الوجه والكفين، فيحل لها الكشف . وهذا قول أبي حنيفة رضي الله عنه” ا.هـ وبنحوه في : “تبيين الحقائق” (6/17) للزَّيْلعي رحمه الله تعالى.

وقَرَّره من المالكية جماعة، ومنهم أحمد الدردير ـ كما في : “أقرب المسالك” ( / ) : “وعورة المرأة مع رجل أجنبي عنها جميع البدن غير الوجه والكفين” أ.هـ.وابن علّيش في ” منح الجليل شرح مختصر خليل ” (1/222)قال : ” (وهي ) أي العورة من حرة مع رجل أجنبي مسلم جميع جسدها غير الوجه والكفين ظهرا وبطنا ، فالوجه والكفان ليسا عورة فيجوز لها كشفهما للأجنبي ” ا.هـ . وبمثله في : “جواهر الإكليل في شرح مختصر العلامة الشيخ خليل” (1/41) . 

وقَرَّره من الشافعية جماعة، ومنهم زكريا الأنصاري في : “أسنى المطالب شرح روض الطالب” (1/176) حيث قال : “(وعورة الحرة في الصلاة وعند الأجنبي) ولو خارجها (جميع بدنها إلا الوجه والكفين) ظهراً وبطناً إلى الكوعين” أ.هـ . وكذا ابن حجر الهيتمي في : “الفتاوي الكبرى” (1/199) و”حاشية شرح الإيضاح” (2/178 ، 276) ، وأقرَّه الرملي في حاشيته على : “شرح الروض” (1/176) ، وقال البكري في : “حاشية إعانة الطالبين” (1/113) تعليقاً على قوله تعالى : (ولا يُبْدين زينتهن إلا ما ظهر منها) : “قال ابن عباس وعائشة : هو الوجه والكفان، ولأنهما لو كانا عورة في العبادات لما وجب كشفهما في الإحرام؛ ولأن الحاجة تدعو إلى إبرازهما” ا.هـ.

وقَرَّره من الحنابلة جماعة، ومنهم المرداوي في : “الإنصاف” (8/357) في إحرام المرأة، حيث قال عن (الوجه) : “يجتمع في حق المحرمة وجوب تغطية الرأس، وتحريم تغطية الوجه، ولا يمكنها تغطية كل الرأس إلا بتغطية جزء من الوجه، ولا كشف جميع الوجه إلا بكشف جزء من الرأس، فالمحافظة على ستر الرأس كله أولى؛ لأنه آكد ؛ لأنه عورة، ولا يختص بالإحرام . قاله المصنف والشارح وصاحب “الفروع” والزركشي وغيرهم” ا.هـ المراد . وفيه أن الرأس عورة في الإحرام وغيره بخلاف الوجه فليس بعورة ولذا قال الرحيباني في : “شرح الغاية ” (3/274) : ” (فستر رأسها كله أولى لكونه) أي : الرأس (عورة) في الصلاة وخارجها (ولا يختص ستره بإحرام) وكشف الوجه بخلافه” ا.هـ وقال ابن بدران رحمه الله في: “المواهب الربانية”(ص/214” : (ظاهر كلام الإمام أحمد أن الوجه والكفين ليسا بعورة داخل الصلاة وخارجها”انتهى المراد.

 

 

واستُدل على ذلك بأدلة، منها دليلان مشهوران :

ـ أما الأول : بقوله سبحانه : (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في : “جامع البيان” (9/54) : “حدثنا ابن بشار، قال ثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن الحسن في قوله: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قال : الوجه والثياب، وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُني بذلك الوجه والكفان، يدخل في ذلك إذا كان كذلك : الكحل والخاتم والسوار والخضاب، وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل: لإجماع الجميع على أن كل مصلّ أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها إلا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أباح لها أن تُبْديه من ذراعها إلى قدر النصف، فإذا كان من جميعهم إجماعاً كان معلوماً بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة ؛ كذلك للرجال؛ لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره، وإذا كان لها إظهار ذلك كان معلوماً أنه مما استثناه الله تعالى ذكره بقوله ) إلا ما ظهر منها) لأن كل ذلك ظاهر منها ، وقوله : (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) يقول تعالى ذِكْره : (وليضربن بخمرهن) وهي جمع خمار (على جيوبهن) ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وقرطهن” ا.هـ

وقال أبو حيان الأندلسي رحمه الله تعالى في : “البحر المحيط” (8/33) : “قال: (ولا يبدين زينتهن) واستثنى ما ظهر من الزينة، والزينة ما تتزين به المرأة من حُليٍّ أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهراً منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب فلا بأس بإبدائه للأجانب، وما خفي منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط فلا تبديه إلا لمن استثنى وذكر الزينة دون مواضعها مبالغة في الأمر بالتَّصوُّن والتَّستُّر ؛ لأن هذه الزّين واقعة على مواضع من الجسد ، لا يَحِلّ النظر إليها لغير هؤلاء ، وهي : الساق والعضد والعنق والرأس والصدر والآذان، فنهى عن إبداء الزِّين نفسها ليعلم أن النظر لا يحل إليها لملابستها تلك المواقع بدليل النظر إليها غير ملابسة لها، وسومح في الزينة الظاهرة لأن سترها فيه حرج فإن المرأة لا تجدُ بُداً من مزاولة الأشياء بيدها. ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصاً في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها الفقيرات منهن ، وهذا معنى قوله : (إلا ما ظهر منها)” ا.هـ المراد

واستثناء الوجه والكفين هو المحفوظ عن جماعة من السلف، ومنهم ابن عباس رضي الله عنهما فقد خرج ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى في : “المصنف” (4/283) ذلك وفيه : “حدثنا زياد بن الربيع عن صالح الدهان عن جابر بن زيد عن ابن عباس” : (ولا يبدين زينتهن) قال : الكف ورقعة الوجه” ورواه البيهقي في : “السنن الكبرى” (2/182) من طريق سعيد بن جبير عنه، وطريق عكرمة عنه، وطريق عطاء بن أبي رباح عن عائشة. وقال ابن القطان في : “أحكام النظر” (ص/59 ـ 60) : “ومما يستدل به للوجه والكفين معاً حديث ذكره القاضي إسماعيل قال : نا علي بن عبد الله قال نا زياد بن الربيع الحمري ، قال : نا صالح الدهان، عن جابر بن يزيد أن ابن عباس كان يقول في هذه الآية: ” (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) لعله الوجه والكفان” . زياد بن الربيع أبو حراس المحمدي قال فيه ابن حنبل : “شيخ بصري ليس به بأس، من الشيوخ الثقات، وصالح الدهان هو صالح بن إبراهيم بن نوح، يروي عن جابر بن زيد، روى عنه إبان والعطار، وسالم بن أبي الرمال، وزياد بن الربيع ونوح بن قيس وهشام الدستوائي، قال ابن حنبل: ليس به بأس، وقال فيه ابن معين: ثقة، وذكر الساحتي عن ابن معين أنه قال فيه : قد رُوِيَ يرى برأي الخوارج للزومه جابر بن زيد، وكان جابر بن صالح وعكرمة صُفْرياً وعمرو بن دينار يقول ببعض قول جابر، وبعض قول عكرمة. وهذا الذي قال ابن معين لا يناقض قوله فيه ثقة ؛ لأن رأيه ـ والله أعلم ـ كرأي مالك وسفيان ويحيى بن سعيد إن من نُسب إليه رأي ولم يَدْعُ إليه لا تسقط الثقة بقوله ، بل يحتج بروايته ، وإنما تسقط الثقة بقوله إذا خيف عليه التعصُّب لدعواه، وذكر أبو محمد بن عدي الجرجاني صالحاً الدهان هذا فقال : ليس بمعروف وهذا لا يبالى به إذا عرفه غيره، ولم يَصِحّ عليه ما ذكره ابن معين ، وكذلك عن جابر بن زيد، ومن يُسقط رواية صالح بهذا ينبغي له أن يسقط رواية جابر بن زيد وعمرو بن دينار، وليس بفاعل، فإن حديثهما مُخرَّج في الصحيحين ، وهما عند الجميع ثقتان . والحديث المذكور نص في المقصود ” ا.هـ

وأما الثاني : فما خَرَّجه أبو داود في : “المراسيل” (310) عن هشام الدستوائي عن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “إن الجارية إذا حاضت لم تصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المِفْصَل” قال في : “إعلاء السنن” (2/166) : “فهذا يدل على أن يد المرأة إلى مفصلها ليس من العورة، وهو يَعُمّ الكف ظاهره وباطنه جميعاً. وهذا المرسل وإن لم نقف على تفصيل سنده ولكن يؤيده ما رواه الطحاوي في معاني الآثار : حدثنا محمد بن حميد قال : ثنا علي بن معبد ، قال : ثنا موسى بن أعين عن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : “ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها” : الكحل و الخاتم “رجاله كلهم ثقات، ومحمد بن حميد هو ابن هشام الرعيني، ويكنى بابي قرة كما يظهر من معاني الآثار (1/214و253) لم أجد من ترجمه، ولكن احتج الطحاوي بحديثه في مواضع من كتابه، وذكره السمعاني في : “الأنساب” ولم يذكر فيه كلاماً (أماني الأحبار ص 34) وفيه دلالة على أن ظهر الكف ليس بعورة ؛ لأنه لما جاز للمرأة إبداء خاتمها ـ وإبداءه يستلزم إبداء ظهر الكف عادة كما لا يخفى ـ استلزم ذلك أن ظهر الكف ليس بعورة. ويدل عليه أيضاً ما رواه الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً: “ولا تنتقب المرأة الحرام ـ المحرمة ـ ولا تلبس القفازين” أ.هـ مختصراً . قال في : “البحر” (1/369) : “أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المرأة المحرمة عن لبس القفازين والنقاب ولو كان ـ الوجه والكف ـ عورة لما حرم سترهما” قلت : وكذلك لو كان ظهر الكف عورة لما حرم عليها لبسهما فالنهي عن لبس القفازين يستدعي نفي العورة عن ظهر الكف أيضاً ” ا.هـ المراد . 

ومما يشهد لذلك أيضاً خبران : 

الأول : ما خرَّجه أبو داود في : “السنن” (برقم : 4101 . ت : عوامة) بقوله : “حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي ومؤمَّل بن الفضل الحرّاني قالا : حدثنا الوليد عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد قال يعقوب : ابنِ دُرَيْك عن عائشة أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رِقاقٌ، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : “يا أسماءُ إن المرأة إذا بلغتِ المحيض لم يَصْلُح أن يُرى منها إلا هذا وهذا” وأشار إلى وجهه وكفَّيه. قال أبو داود: وهو مرسل ـ أي : منقطع ـ ، لم يَسْمع خالد بن دُريك من عائشة ولا أدركها (وسعيد بن بشير ليس بالقوي) ” أ.هـ. وقال الزيلعي في : “نصب الراية” (1/299) : “قال أبو داود : هذا مرسل ، خالد بن دُريك لم يدرك عائشة . قال ابن القطان: ومع هذا فخالد مجهول الحال قال المنذري : وفيه أيضاً سعيد بن بشير أبو عبد الرحمن البصري نـزيل دمشق مولى بني النضر ، تكلم فيه غير واحد وقال ابن عدي في : “الكامل” : هذا حديث لا أعلم رواه عن قتادة غير سعيد بن بشير. وقال فيه مرة: عن خالد بن دريك عن أم سلمة بدل : عائشة انتهى كلامه” أ.هـ. وقال في : “إعلاء السنن” (2/167ـ 168) : “قال أبو داود : هذا مرسل (أي : منقطع) خالد بن دريك لم يدرك عائشة” أ.هـ وفي : “عون المعبود” (4/106) : “قال المنذري : في إسناده سعيد بن بشير أبو عبدالرحمن البصري نزيل دمشق . وقد تكلم فيه غير واحد” أ.هـ. قلت : قال بقية عن شعبة: ذاك صدوق اللسان. وفي رواية : صدوق الحديث . وقال ابن عيينة : حدثنا سعيد بن بشير وكان حافظاً . وقال أبو زرعة : وسألت عبدالرحمن بن إبراهيم عن قول من أدرك فيه فقال : يوثقونه. وقال عثمان الدارمي سمعتُ دحيماً يوثقه . وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان : محله الصدق عندنا . وقال أبو بكر البزار : هو عندنا صالح ليس به بأس . وقال ابن عدي : لا أرى بما يرويه بأساً، ولعله يهم في الشيء بعد الشيء ويغلط، والغالب على حديثه الاستقامة، والغالب عليه الصدق” أ.هـ مخلصاً من : “تهذيب التهذيب” (4/ 9و10) فهو إذن حسن الحديث، ويشهد لما رواه حديث ابن عباس مرفوعاً بسند جيد، وهو مذكور في المتن” أ.هـ. وفي : “المتن” (2/165) : “عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً في قوله تعالى : ( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) وجهها وكفيها رواه إسماعيل القاضي المالكي ـ بسند جيد ـ كذا في : “البحر الرائق” (1/285) . وقال صاحب : “الكمالين” (ص/295) تحت قول الجلال المحلي رحمه الله : (وهو الوجه والكفان، كذا فسره ابن عباس رضي الله عنه ما نصه: “أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي وأخرجه إسماعيل القاضي عن ابن عباس مرفوعاً بسند جيد” ا.هـ

ومما يُلْحَق به ما خَرَّجه البيهقي في : “السنن الكبرى” (7/86) من طريق محمد بن رمح ، ثنا ابن لهيعة عن عياض بن عبدالله أنه سمع إبراهيم بن عبيد بن رفاعة الأنصاري يخبر عن أبيه أظنه عن أسماء ابنة عميس أنها قالت: “دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما، وعندها أختها أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام ، فلما نظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فخرج، فقالت عائشة رضي الله عنها : تنحَّي فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراً كرهه، فتنحَّت فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عائشة رضي الله عنها: لم قام؟ قال : “أو لم تَرَيْ إلى هيئتها؟!! إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا” وأخذ بكميه فغطى بهما ظهر كفيه حتى لم يبد من كفيه إلا أصابعه ، ثم نصب كفيه على صُدْغَيْه حتى لم يَبْد إلا وجهه” وقال البيهقي : “إسناده ضعيف” وقال بعد سَوْقه لحديث عائشة وأثر ابن عباس رضي الله عنهم : “مع هذا المرسل قول من مضى من الصحابة رضي الله عنهم في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة ، فصار القول بذلك قوياً” أ.هـ ووافقه الذهبي في : “تهذيب سنن البيهقي” (1/38) وقال الهيثمي في : “مجمع الزوائد” (5/137) : “رواه الطبراني في الكبير والأوسط” إلا أنه قال : (ثياب شامية) بدل (سابغة) ، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح” ا.هـ

الثاني : ما رواه البخاري (3/295) ومسلم (4/101) وغيرهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : “أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس رضي الله عنهما يوم النحر خَلْفه على عَجُزِ راحلته، وكان الفضل رجلاً وضيئاً، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خَثْعم وضيئة تستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حُسْنُها ، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها. فقالت : يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أَدْركتْ أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال : نعم”. قال ابن بطال رحمه الله تعالى كما في : “فتح الباري” (11/8) لابن حجر : “وفيه دليل على أن نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب ما يلزم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ لو لزم ذلك جميع النساء لأمر النبي صلى الله عليه وسلم الخثعمية بالاستتار، ولما صرف وجه الفضل” وقال : “وفيه دليل على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضاً؛ لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة، ولو رآه الغرباء” أ.هـ. وقال ابن حزم رحمه الله تعالى في : “المحلى” (3/218) : “ولو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرها على كشفه بحضرة الناس، ولأمرها أن تُسبل عليه من فوق، ولو كان وجهها مغطى ما عَرَف ابن عباس أحسناء هي أم شوهاء” ا.هـ

فهذان الخبران يعضدان مرسل قتادة السابق، مع قبول أكثر الأئمة المرسل خصوصاً إذا جاء من وجه آخر، قال اللكنوي في : “ظفر الأماني” (ص/351) “وقال أبو داود في : “رسالته” : (وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يَحْتجون بها فيما مَضَى، مثلُ سفيان الثوريِّ ومالك والأوزاعي، حتى جاء الشافعيّ فتكلم في ذلك وتابعه عليه أحمد وغيره) انتهى . ومشى على هذا المسلك جمهورُ المحدثين كما حكاه ابن عبد البر، وحكى ذلك عمن قَبْلَ الشافعي أيضاً، كابن مهدي ويحيى القطان. وذهب أبو حنيفة ومالك ومن تَبِعَهما وجَمْع من المحدثين إلى قبول المرسل والاحتجاج به، وهو رواية عن أحمد، وحكاه النووي في : “شرح المهذب” عن كثير من الفقهاء بل أكثرهم ، ونَسَبَهُ الغزاليُّ إلى الجمهور ، بل ادَّعى ابن جرير الطبري وابن الحاجب إجماعَ التابعين على قبولِهِ والاحتجاج به” أ.هـ المراد. وقال النووي في : “التقريب” (1/301) مع التدريب : “فإن صَحّ مخرج المرسَلِ بمجيئه من وجه آخر مُسْنَداً ، أو مرسلاً أَرْسَلَه مَنْ أخذ عن غير رجال الأوَّل : كان صحيحاً، ويتبيَّن بذلك صحةُ المرسل” ا.هـ.

ويُلْحَق بذلك مفهومُ نهي الشارع المرأةَ المحرمةَ أن تَلْبس النِّقاب والقُفَّازين كما في “البخاري” (3/18) في حديث النهي عما يَلْبس المحرم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ولا تَنْتَقب المرأة، ولا تَلْبس القُفّازين” قال الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى في : “المغني” (1/637) : “لو كان الوجه والكفان عورة لما حَرُم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء” أ.هـ. مع كون المحرمة مخيرة في السدل على الوجه كما أفاده خبر عائشة رضي الله عنها، حيث خَرَّج البيهقي في : “السنن” (5/47) بسنده إلى سيدتنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت : “تلبس المحرمة من الثياب ما شاءت إلا ثوباً مسه زعفران أو ورس، ولا تتبرقع ولا تتلثم، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت” وذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في : “الفتح” (4/52) وسكت عنه .

اعتراضات:

 اعترض المخالفون لأولئك الجمهور من الفقهاء بإعتراضات

ـ الأول : أن الإجماع قد وقع على وجوب ستر الحرة البالغة وجهها وكفيها عن الأجانب من الرجال ! . وهذه مغالطة ، إذ إن الوجه والكفين مُسْتَثنيان عند الفقهاء من مَحَالّ الاتفاق المحكي، فقد قال ابن حزم في : “مراتب الإجماع” (ص/29) : “واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة، واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما، أعورة هي أم لا؟ “أ.هـ وقال ابن عبد البر رحمه الله تعالى في : “التمهيد” (6/368 ، 369) : “اختلف العلماء في تأويل قول الله عز وجل : (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) ، فروى عن ابن عباس وابن عمر (إلا ما ظهر منها) : الوجه والكفان، وروى عن ابن مسعود (ما ظهر منها) : الثياب، قال: لا يبدين قرطاً ولا قلادة ولا سواراً ولا خلخالاً إلا ما ظهر من الثياب … واختلف التابعون فيها أيضاً على هذين القولين ، وعلى قول ابن عباس وابن عمر الفقهاء في هذا الباب” ا.هـ

بل إن بعض الأئمة حكى الاتفاق على كون الوجه والكفين ليست بعورة، ومنهم الإمام القفال رحمه الله تعالى، حيث قال ـ كما في : “التفسير الكبير” (23/206 ـ 207) ـ : “معنى الآية (أي قوله سبحانه “إلا ما ظهر منها” إلا ما يظهره الإنسان في العادة الجارية، وذلك في النساء : الوجه والكفان. وفي الرَّجُل : الأطراف من الوجه واليدين والرجلين، فأُمروا بستر ما لا تؤدي الضرورة إلى كشفه ورخّص لهم في كشف ما اعتيد كشفه، وأَدَّت الضرورة إلى إظهاره، إذ كانت شرائع الإسلام حنيفية سهلة سمحة، ولما كان ظهور الوجه والكفين كالضروري لا جَرَم اتفقوا على أنهما ليسا بعورة” ا.هـ

ـ الثاني : أن نساء السلف كن يَلْتزمن ستر الوجه، ويشهد لذلك ما خرجه البخاري (برقم : 4758) عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : “يرحم الله نساء المهاجرات الأُوَل ، لما أنزل الله : “وليضربن بخمرهن على جيوبهن “شققن مروطهن فاختمرن بها” ونحو ذلك

ويُدْفَع بشيئين :

ـ أولهما : أن (الخمار) ما يُغَطَّى به الرأس لغةً وشرعاً، فأما في اللغة فأثبته في : “القاموس” الفيروزآبادي ، وكذا ابن منظور في : “لسان العرب ” ، والزبيدي في : “شرح القاموس “(3/189) ، وقال الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى في : “المفردات في غريب القرآن” (ص/159) : ” (خمر) أصل الخمر : ستر الشيء، ويقال لما يستتر به : (خمار) لكن (الخمار) صار في التعارف اسماً لما تغطي به المرأة رأسها، وجمعه (خُمُر) قال تعالى : “وليضربن بخمرهن على جيوبهن” ا.هـ

وأما في الشرع فقال ابن الأثير في “النهاية” (2/78) : “وفيه : “أنه كان يمسح على الخف والخمار” أراد به العمامة؛ لأن الرجل يُغَطِّي بها رأسه، كما أن المرأة تغطيه بخمارها” ا.هـ المراد . وقال الحافظ في : “الفتح” (8/49): “والخمار للمرأة كالعمامة للرجل” أ.هـ. وكذا في : “عمدة القاري” (19/92) . 

لذا قال ابن جرير في : “التفسير” (9/306) : “وقوله : {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} يقول تعالى ذكره : وليلقين خُمُرهن، وهي جمع خمار، على جيوبهن؛ ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وقُرْطَهُنَّ” ثم ساق خبر عائشة السابق رضي الله عنها، وقال ابن حزم رحمه الله تعالى في : “المحلى” (3/216ـ217) : “فأمرهن الله تعالى بالضرب بالخمار على الجيوب. وهذا نص على ستر العورة والعنق والصدر، وفيه نص على إباحة كشف الوجه لا يمكن غير ذلك” ا.هـ

والثاني : الأخبار الواردة بما يفيد خلاف الدَّعْوى، كحديث جابر عند مسلم (3/19) وفيه : “فقالت امرأة من سِطَةِ النساء(أي : جالسة وسطهن) سفعاء الخَدَّين (أي : فيهما تغيّر وسواد) ، وحديث عائشة عند الشيخين وفيه : “كن نساء المؤمنات يَشْهدن مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يُعْرَفْنَ من الغلس” وفي رواية عند أبي يعلى: “وما يَعْرف بعضنا وجوه بعض” وفي “السنن” وصححه الحاكم من حديث ابن عباس أنه قال : “كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه، فأنزل الله تعالى : (ولقد علمنا المستقدمين منكم، ولقد علمنا المستأخرين) وخرج الطبري في : “التهذيب” من خبر عمران بن حصين أنه قال : “كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً، إذ أقبلتْ فاطمة رحمها الله، فوقفتُ بين يديه، فنظرتُ إليها وقد ذهب الدم من وجهها” الخبر. وحديث المرأة الخثعمية وسبق. قال ابن حزم (3/218) : “ولو كان الوجه عورة يَلْزم ستره لما أقرَّها على كشفه بحضرة الناس، ولأَمَرَها أن تُسْبِل عليه من فوق، ولو كان وجهها مُغَطَّى ما عرف ابن عباس أحسناء هي أم شوهاء” ا.هـ

-والثالث : أن الوجه أجمل ما في المرأة، وفي كشفه جلب الفتنة، فلابد من ستره! كذا قيل ، ويجاب عنه بجوابين :

ـ أولهما : أن أصل الفتنة كان موجوداً زمن التشريع والسلف الصالح، ومع ذلك لم يُؤْمر بالسَّتر على ما تفيده أخبار ظاهرة ، ومنها قصة الخثعمية وفيه : “رأيتُ غلاماً حَدَثاً وجارية حدثة فخشيتُ أن يدخل بينهما الشيطان” وحديث المرأة الحسناء وفيه نزل قوله : (ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين .( 

مع وجود من كان يلاحق النساء ويطلب الفاحشة، ومما يدل على ذلك حديث جابر بن سمرة وفيه يقول : “أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قصير أشعث ذي عضلاتٍ عليه إزار وقد زنى، فردَّه مرتين، ثم أَمَرَ به فرُجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “كُلَّما نَفَرْنا غازين في سبيل الله، تخلَّف أحدكم يَنِبُّ نبيب التَّيْس يمنح إحداهن الكثبة . إن الله لا يُمكنِّي من أحدٍ منهم إلا جَعَلْته نكالاً” رواه مسلم في : “صحيحه” (11/380 ـ مع النووي ) قال النووي : “نبيب التيس: صوته عند السفاد . ويَمْنَح بفتح الياء والنون ـ أي : يعطي . والكُثْبة بضم الكاف وإسكان المثلثة ـ : القليل من اللبن وغيره … (إلا جعلته نكالاً) أي : عظة وعبرة لمن بعده، بما أصبتُه منه من العقوبة ليمتنعوا من تلك الفاحشة” ا.هـ

لذا كانت المرأة الحسناء تخرج في الطرقات سافرة عن وجهها، قال ابن حبيب ـ وهو من أهل القرون الفاضلة ـ :” شهدتُ (المدينة) والجارية بارعة الجمال تخرج سافرة ” أ.هـ. والجارية الفتاة حرة كانت أم أمة . 

وعليه قَرَّر جمع من الأئمة عدم الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق، وفي ذلك يقول ابن مفلح رحمه الله تعالى في : “الآداب الشرعية” (1/316) : “هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق؟ ينبني ( الجواب ) على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها أو يجب غض النظر عنها؟ وفي المسألة قولان، قال القاضي عياض في حديث جرير رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري “رواه مسلم” قال العلماء رحمهم الله تعالى : وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة مستحبة لها، ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال؛ إلا لغرض شرعي. ذكره الشيخ محيي الدين النووي ولم يزد عليه . فعلى هذا : هل يُشرع الإنكار؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف، وقد تقدم الكلام فيه ، فأما على قولنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم : إن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة فلا ينبغي الإنكار” ا.هـ

والثاني : أن لـ (الفتنة) حقيقة وحَدَّاً، بَيَّنه جمع من الأئمة، ومنهم الإمام زكريا الأنصاري رحمه الله تعالى في : “شرح روض الطالب” (3/110) حيث إنها ما تَحَقَّق به الدعوة إلى الجماع أو الخلوة المحرمة وما إليهما ، وقَرَّر الفقهاء عند قاعدة : “درء المفاسد مُقَدَّم على جَلْب المصالح” أن المراد : المفاسد المتحققة لا المتوهَّمة. مع أن جماعة من الأئمة ذهبوا إلى أن مجرَّد الخوف من الفتنة ليس مُوْجِباً لمنع كشف الوجه والكفين، ومنهم السرخسي رحمه الله تعالى في : “المبسوط” (10/153) حيث يقول : “ثم لا شك أنه يُباح النظر إلى ثيابها، ولا يعتبر خوف الفتنة في ذلك ، فكذلك إلى وجهها وكفيها” ا.هـ

والتَّعويل على (جمالِ الوجه) لمنعِ كَشْفه فيه نَظَرٌ؛ لأن طَرْدَ ذلك موجبٌ لمحاذير يَتَّفق عليها حتى مَنْ خالف مِنْ المعاصرين، ومنها ما ذَكَرَه الألباني في : “الرَّدّ المُفْحِم” (ص/12) في قوله : “ويَبْدو لي أنهم ـ لشعورهم في قرارة نفوسهم بِضَعْف حُجَّتهم ـ يَلْجؤون إلى استعمال الرأي ولغة العواطف ـ أو ما يُشبه الفلسفة ـ فيقولون : إن أجمل ما في المرأة وجهها، فمن غير المعقول أن يجوز لها أن تكشف عنه ! فقيل لهم: وأجمل ما في الوجه العينان: فَعَمُّوها إذن، ومُرُوها أن تسترهما بجلبابها! وقيل لهم على طريق المعارضة: وأجمل ما في الرجل ـ بالنسبة للمرأة ـ وجهه، فمروا الرجال أيضاً بفلسفتكم أن يستروا وجوههم أيضاً أمام النساء وبخاصة من كان منهم بارع الجمال؛ كما ورد في ترجمة أبي الحسن الواعظ المعروف بـ (المصري) : “أنه كان له مجلس يتكلم فيه ويعظ وكان يحضر مجلس وعظه رجال ونساء فكان يجعل على وجهه برقعاً تخوفاً أن يفتتن به النساء من حسن وجهه” (تاريخ بغداد) (12/75ـ76) ” ا.هـ

 

 

وكَتَبَ/

(صالحُ بنُ مُحمَّدٍ الأَسْمَرِيّ)
لَطَفَ اللهُ به

الدِّيارُ الحِجازِيَّةُ ببلادِ الحَرَمَين
حَرَسَها اللهُ

 

 

 

Share this...
Print this page
Print
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *