التبرك بالصالحين…(حقيقته وحكمه)

 

 

 

 

 بطاقة الكتاب

الكتاب

اَلتَّبَرُّكُ بِالصَّالِحِين…(حَقِيقَتُهُ وَحُكْمُه)

المؤلف

الشيخ صالح بن محمد الأسمري

الفهرس

 

 

مقدمة

حقيقة التبرك لغة واصطلاحا

شرعية التبرك بآثار الصالحين وأدلته

تحريم التبرك بآثار الصالحين وأدلته

 

 

نموذج:

 

]شرعية التبرك بآثار الصالحين وأدلته[

   قرَّر الفقهاء شرعية التبرك بآثار الصالحين من غير الأنبياء، وجزم به السادة الحنفية كما في ((حاشية ابن عابدين ))(2/193 ), والمالكية كما في ((حاشية الدسوقي))(1/422)، والشافعية كما في ((نهاية المحتاج))(3/34 ) , والحنابلة كما في ((كشاف القناع)) (5/181 ).

    وقد دلَّ على مشروعية ذلك السنة النبوية الشريفة بجهاتها المختلفة فعلاً وقولاً وإقراراً؛

-فأما فعل رسول الله صلي الله وعليه وسلم : فعن سيدنا ابن عمر (رضي الله عنهما) قال: قلت يارسول الله: الوضوء من جر جديد مخمر أحب اليك أم من المطاهر؟ فقال ( لابل من المطاهر , إن دين الله الحنيفية السمحة )  قال ((وكان رسول الله يبعث الي المطاهر فيؤتي بالماء فيشربه يرجو بركة أيدي المسلمين )) رواه الطبراني في ((المعجم الاوسط)) (1/242 ) .قال الهيثمي في ((المجمع )) (1/502 ) رواه الطبراني في(( الأوسط )) ورجاله موثوقون ,وعبد العزيز بن أبي رواد ثقة ينسب الي الإرجاء )) ا.هـ

-وأما قول رسول الله (صلي الله وعليه وسلم): فمنه أمره (صلي الله وعليه وسلم) أصحابه أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة.رواه البخاري في:((الصحيح)) (3/12371 )ومسلم في ((الصحيح ))  (2/290 ) قال أبو العباس القرطبي في((شرح مسلم )) (/)((وأمره (صلي الله وعليه وسلم)أن يستقوا من بئر الناقة دليل علي التبرك بآثار الأنبياء والصالحين وإن تقادمت أعصارهم )) ا.هـ.

-وأما إقرار رسول الله (صلي الله وعليه وسلم): فذلك في قصة جريج الراهب حيث جاء فيها: (( قال:ياغلام من أبوك ؟ قال: فلان الراعي.قال: فأقبلوا علي جريج يقبِّلونه ويتمسَّحون به )) رواه مسلم في (( الصحيح )) (4/1976 ).

 

    وعلى ذلك عمل المسلمين , يقول الشيخ زروق (رحمه الله تعالى) في : (( قواعد في التصوف ))(ص/136 ): “كرامة التابع شاهدة بصدق المتبع … فمن ثم جاز التبرك بآثار أهل الخير ممن ظهرت كرامته بديانة أو علم أو عمل أو أثر ظاهر … ولم يزل أكابر الملة يتبركون بأهل الفضل من كل عصر وقطر؛ فلزم الاقتداء بهم حسب ما يهتدي اليه الظن من الأشخاص.”ا.هـ ويقول أبو العباس الناصري (رحمه الله تعالى) في : (( الاستقاء لأخبار المغرب الأقصي )) (3/122 ): “التبرك بآثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء رضي الله عنهم وزيارة مشاهدهم من الأمر بالمعروف عند أمة محمد صلى الله وعليه وسلم.”

 

     وإلحاق الصالحين بالأنبياء في التبرك بهم مشهور تقريره عند العلماء، ومنه قول ابن دقيق العيد (رحمه الله تعالى) في (( إحكام الأحكام )) (1/178 ) “عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال: “أتيت النبي (صلي الله وعليه وسلم) وهو في قبة له حمراء من أدمَ قال : فخرج بلال بوضوء فمن ناضح ونائل.”يؤخذ من الحديث التماس البركة بما لابسه الصالحون بملابسته , فإنه ورد في الوضوء الذي توضأ منه النبي (صلي الله وعليه وسلم), ويعد بالمعني الى سائر مايلابسه الصالحون )) ا.هـ .وقول السفاريني رحمه الله تعالي في:(( كشف اللثام)) (2/167 ): “وفي الحديث: التماس البركة بما لابسه الصالحون فإنه ورد في الوضوء الذي توضأ به النبي (صلي الله وعليه وسلم) , وفي معناه كمالابسه الصالحون )) ا.هـ .

 

    ومن أمثلة التبرك بآثار الصالحين:

– التبرك بريقهم عند تحنيك المولود عند ولادته ؛ لفعل رسول الله صلي الله وعليه وسلم, فعن أسماء بنت أبي بكر الصديق (رضي الله عنهما)أنها حَمَلَتْ بعبد الله بن الزبير بمكة.

قالت: “خرجت وانأ متم فأتيت المدينة فنزلت قباء فولدت بقباء ثم أتيت به رسول الله (صلي الله وعليه وسلم) فوضعته في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله (صلي الله وعليه وسلم) ثم حنكه بالتمر, ثم دعا له فبرك عليه, فكان أول مولود يولد في الاسلام ففرحوا به فرحاً شديداً أنهم قد قيل لهم: إن اليهود سحرتكم فلا يولد لكم [رواه البخاري في ((الصحيح ))(رقم :47500,3619)ومسلم في ((الصحيح))(رقم :25701 )[ وغيره من الأحاديث المشهورة في التحنيك ؛ لذا يقول النووي (رحمه الله تعالى) في : (( شرح مسلم )) (9/237 ) : (( ( ومن فوائد حديث التحنيك ) حَمْل المولود عند ولادته الي واحد من أهل الصلاح والفضل , يحنكه بتمرة ليكون أول مايدخل جوفه ريق الصالحين فيتبرك به )) ا.هـ .وقال الحافظ بن حجر (رحمه الله تعالى) في : ((فتح الباري))(1/327 ) : “وفي الحديث من الفوائد : التبرك بأهل الفضل , وحمل الاطفال اليهم حال الولادة وبعدها.” ا.هـ

– وكذا التبرك بما بقي من  طَهورهم  وطعام وشراب ونحوها , وفي حديث أبي صحيفة السابق دلاله علي شرعية ذلك ؛ يقول النووي (رحمه الله تعالى) في : ((شرح مسلم)) (4/219 ): “فخرج بلال بوضوء فمن نائل وناضح …” وقد جاء مبيناً في الحديث الآخر : ( فرأيت الناس يأخذون من فضل وضوئه) , ففيه التبرك بآثار الصالحين , واستعمال فضل طهورهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم )) ا.هـ .

 

 

  وإذا تقرَّر أن التبرك بآثار الصالحين مشروع عند الفقهاء فلابد من رعاية شيئين عند التبرك:

-أولهما: أن التبرك من باب الوسائل فتجري عليه قاعدة الأسباب المقررة في كتب العقائد , ومنه قول أبي العباس الناصري (رحمه الله تعالى) في : ((الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى ))  (2/209 ) : ” وعلم أن التعلق بأولياء الله (رضي الله عنهم) يجب أن يكون مع استحضار أن الله (تعالى) هو المطلوب على الحقيقة, والفاعل للأشياء كلها لا معبود غيره ولا مرجوَّ سواه إنما التمسك بأهل الله لأجل التبرك بهم,

والاستشفاع بهم إلى الله (تعالى)؛ لأنهم أبواب الله والدالون عليه. نفعنا الله بهم, وأفاض علينا قدرهم , آمين.” ا.هـ

-الثاني:أن التبرك إنما يكون بآثار الصالحين الطاهرة ؛ خلافاً للآثار النجسة كالبول والدم, وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر (رحمه الله تعالى) في :(( فتح الباري )) (5/341 ): تعليقا علي قصة الحديبية (( وفيه طهارة النخامة والشعر المنفصل , والتبرك بفضلات الصالحين الطاهرة )) ا.هـ المراد

 

تنبيه: معلوم أنه من الخصائص الشريفة للمصطفي (صلي الله وعلية وسلم) أن فضلاته ودمه طاهرة , يقول النووي (رحمه الله تعالى) في : (( المجموع شرح المهذب)) (1/233 ) : ” استدل من قال بطهارة دم وبول رسول الله (صلي الله وعليه وسلم) بالحديثين المعروفين , وأن أبا طيبة الحجام حجمه(صلي الله وعليه وسلم) وشرب دمه ولم ينكر عليه , وأن امرأة شربت بوله (صلي الله وعليه وسلم) فلم ينكر عليها. وحديث ابي طيبة ضعيف, وحديث شرب البول صحيح رواه الدار قطني وقال: “هو حديث حسن صحيح.”  وذلك كاف في الاحتجاج لكل الفضلات قياساً )) ا.هـ المراد. وقال الحافظ ابن حجر (رحمه الله تعالى) في : (( الفتح )) (/) : (( وقد تكاثر الأدلة علي طهارة فضلاته (صلي الله وعلية وسلم) وعَدّ الأئمة ذلك من خصائصه)) ا.هـ.مع كون فضلاته (صلي الله وعليه وسلم) تبتلعها الأرض , قال ملا علي القارئ (رحمه الله تعالى) في : (( جمع الوسائل في شرح الشمائل )) (2/2 ) : (( وأما فضلاته (صلي الله وعليه وسلم) فروى الطبراني بسند حسن أو صحيح أن عائشة (رضي الله عنها) قالت : يارسول الله اني أراك تدخل الخلاء ثم يأتي الذي بعدك فلايري لما يخرج منك أثرأ فقال : (( ياعائشة أما علمت أن الله أمر الأرض أن تبتلع ما يخرج من الانبياء)) … ثم ما ذُكر إنما هو الغائط , أما البول فقد شاهده غير واحد وشربته أم أيمن مولاته وبركة أم يوسف خادمة أم حبيبة صحبتها من أرض الحبشة ))) قال ابن حجر: وبهذا استدل جمع من أئمتنا المتقدمين وغيرهم على طهارة فضلاته (صلي الله وعليه وسلم) وهو المختار وفاقاً لجميع المتأخرين فقد تكاثرت الأدلة عليه , وعَدّه الأئمة من خصائصه)) ا.هـ وقد رَدّ الحافظ السيوطي (رحمه الله تعالى) في : (( الخصائص الكبرى )) (1/70-71 ) علي من قال بوَضْع حديث السيدة عائشة في ابتلاع الارض فضلات الأنبياء , وحَمَلَ ابن حجر (رحمه الله تعالى) كما في : (( جمع الوسائل ))(2/3 ) – حكم البيهقي بأن الحديثموضوع على طريق من طرق الحديث وقال:”أو انه لم يطّلع علي تلك الطرق وأنه الأظهر)) ا.هـ

 

 

تنبيه:أهل البدعة كالرافضة الاثني عشرية ليسوا داخلين في دائرة الصالحين الذين يُتَبّرك بهم, وأشار الأئمة إلى ذلك , ومنهم الحافظ ابن حبان رحمه الله تعالي –كما في :((الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان ))(4/82)- :”إباحة التبرك بوضوء الصالحين من أهل العلم إذاكانوا متبعين لسنن المصطفى (صلى الله عليه وسلم) دون أهل البدع منهم.”

 

مسألة:إذا دُعي صالح للتبرك به فله الإجابة إِنْ أَمِنَ الفتنة، لحديث عتبان بن مالك (رضي الله عنه) وفيه قوله: “وَدِدتُ يا رسول الله أنك تأتيني فتصلِّي في بيتي فأتخذُهُ مصلى.” ]رواه البخاري في الصحيح (رقم: 425)[. قال الحافظ ابن حجر (رحمه الله تعالى) في “الفتح” (1/522): “وفيه – أي: حديث عتبان- التبرك بالمواضع التي صلى فيها النبي أو وطئها. ويستفاد منه: أن من دعي من الصلحاء إلى شيء يتبرك به منه فله أن يجيب إليه إذا أمن العُجْب.” ا.هـ.

    ومن صور المسألة: أخذ يد العالم الصالح لتقبيلها تبركا، قال العبادي ( رحمه الله تعالى) كما في الجوهرة (2/286): “قال السرخسي: رخص بعض المتأخرين في تقبيل يد العالم والمتورع على سبيل التبرك. وقال سفيان: تقبيل يد العالم سنة.” ا.هـ. وقد فعله الصحابة (رضي الله عنهم) مع سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فعن زارع (رضي الله عنه)-وكان في وفد عبد القيس- قال: “فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد النبي (صلى الله عليه وسلم) ورِجْله.” ]رواه أبو داود في “السنن”( رقم :242)[وعن صفوان بن عسال أن يهوديا قال لصاحبه: “اذهب بنا إلى هذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: “فقبلا يده ورِجله وقالا: “نشهد أنك نبي الله صلى الله عليه وسلم.”]رواه الترمذي في السنن (رقم :     ) وصححه[.

وكَتَبَ/

(صالحُ بنُ مُحمَّدٍ الأَسْمَرِيّ)
لَطَفَ اللهُ به

الدِّيارُ الحِجازِيَّةُ ببلادِ الحَرَمَين
حَرَسَها اللهُ 

 

 

Share this...
Print this page
Print
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *