رد التكفير بالسجود للعلماء بإطلاق

مسألة: رد التكفير بالسجود للعلماء بإطلاق

بقلم:  (الشيخ صالح بن محمد الأسمري)

        

     السجود للملوك والعلماء والأولياء والآباء للإكرام والتحية ونحو ذلك -محرم في الشريعة المحمدية، لكنه ليس شركا بالله مخرجا من الملة، وعلى ذلك الفقهاء، قال الموصلي الحنفي رحمه الله تعالى في: “ الاختيار لتعليل المختار“(4/434) : “وتقبيل الأرض بين يدي السلطان أو بعض أصحابه- ليس بكفر؛ لأنه تحية وليس بعبادة ، ومن أكره على أن يسجد للملك: الأفضل أن لا يسجد؛ لأنه كفر ، ولو سجد عند السلطان على وجه التحية لا يصير كافرا” ا.هـ. وقال القرافي المالكي رحمه الله تعالى في: “الفروق”(1/126) : ” اتفق الناس على أن السجود للصنم على وجه التذلل والتعظيم له كفر ولو وقع مثل ذلك في حق الولد مع والده تعظيما له وتذللا أو في حق الأولياء والعلماء لم يكن كفرا”أ.هـ المراد. وعلَّق ابن الشَّاط المالكي رحمه الله تعالى بقوله: “ إذَا وَقَعَ ذَلِكَ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مَعَ الْوَالِدِ لِمُجَرَّدِ التَّذَلُّلِ وَالتَّعْظِيمِ لا لاعْتِقَادِ أَنَّهُ إلَهٌ وَشَرِيكٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلا يَكُونُ كُفْرًا وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ”أ.هـ.المراد. وقال ابن حجر الهيتمي الشافعي رحمه الله تعالى في:تحفة المحتاج”(38 / 264) : “ قال في: “الروضة”: ما يفعله كثيرون من الجهلة الضالين من السجود بين يدي المشايخ حرام قطعا بكل حال، سواء كان إلى القبلة أو غيرها وسواء قصد السجود لله تعالى أو غفل عنه ،وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر” ا.هـ. وعلَّق الشرواني على ذلك فقال: “قال الشارح في:”الأعلام” -بعد نقله ما في:”الروضة”-: هذا يفهم أنه قد يكون كفراً بأن قصد به عبادة مخلوق أو التقرب إليه، وقد يكون حراما بأن قصد به تعظيمة أي التذلل له أو أطلق،وكذا يقال في الوالد والعلماء” ا.هـ.

     وقال السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى في “الذخائر شرح منظومة الكبائر” (ص/373) :” والحاصل أن السجود لغير الله إما أن يكون على وجه العبادة بدعوى أن المسجود إله كالصنم ، أو لا كالسجود لنحو الوالد والظلمة والمشايخ .فالأول : كفرٌ إجماعاً . والثاني : حرامٌ من الكبائر ، وقد يكفر فاعله. اهـ

     ودليل التحريم شيئان :

     – الأول: الخبر. ومنه ما أخرجه أبو داود في: “السنن”(6/177-رقم: 2144) بقوله: ” حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أنبأنا إِسْحَاقُ بنُ يُوسُفَ عن شَرِيكٍ عن حُصَيْنٍ عن الشَّعْبِيِّ عن قَيْسِ بنِ سَعْدٍ ، قال: «أَتَيْتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ، فَقُلْتُ: رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَهُ. قال: فأَتَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: إِنِّي أتَيتُ الحِيرَةَ فَرَأيْتهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانَ لَهُمْ فأَنتَ يَا رَسُولَ الله أحَقُّ أنْ نَسْجُدَ لَكَ، قال: أرَأيتَ لَوْ مَرَرْتَ بِقَبْرِي أكُنْتَ تَسْجُدَ لَهُ؟ قال قُلْتُ: لاَ. قال: فَلاَ تَفْعَلُوا لَوْ كُنْتُ آمِراً أحَدًا أنْ يَسْجُدَ لاِءَحَدٍ لأَمَرْتُ النِّسَاءَ أنْ يَسْجُدْنَ لأزْوَاجِهِنَّ لِمَا جَعَلَ الله لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحَقَّ».

     – والثاني: الإجماع. وحكاه جماعة، ومنه قول التقي ابن تيمية رحمه الله تعالى -كما في “مجموع الفتاوى”: أجمع المسلمون على أن السجود لغير الله محرم. انتهى.

     تنبيه: قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في: “معجم الشيوخ”(1/73) :”ألا ترى الصحابة من فرط حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم قالوا : ألا نسجد لك ؟ فقال : لا ، فلو أذن لهم لسجدوا سجود إجلال وتوقير لا سجود عبادة كما سجد إخوة يوسف عليه السلام ليوسف. وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التعظيم والتبجيل لا يكفر به أصلا بل يكون عاصيا فليعرف أن هذا منهي عنه وكذلك الصلاة إلى القبر”انتهى. وقال التقي  ابن تيمية رحمه الله تعالى-كما في: ” مجموع الفتاوى”( 4/316) :”السجود على ضربين: سجود عبادة محضة . وسجود تشريف.فأما الأول فلا يكون إلا لله .وأما الثاني فلم قلت إنه كذلك -أي: لم قلت أنه لا يكون إلا لله- والآية -أي: قوله تعالى “وله يسجدون”- محمولة على الأول -أي:محمولة على سجود العبادة -توفيقاً بين الدلائل”أ.هـ.

     تنبيه: قال العلامة محمد العربي بن التباني رحمه الله تعالى في: “براءة الأشعريين”(ص/149) :”السجود في اللغة الخضوع والتطامن.وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض على قصد عبادة الله.والتذلل معتبر في مفهومه العرفي دون اللغوي.

     والسجود للصنم ليس بكفر لذاته، وإنما كفر العلماء الساجد للصنم لأنه علامة على اعتقاده إلاهيته! ولو كان كفرا لذاته ما حل في شريعة أبدا، ولكان من الفحشاء، والله لا يأمر بالفحشاء، وقد أمر الله ملائكته عليهم الصلاة والسلام بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام، وقد كان سائغا لغير الله تعالى في الشرائع المتقدمة بدليل سجود يعقوب وامرأته وأولاده ليوسف عليهم الصلاة والسلام”انتهى المراد.
وقال أيضا رحمه الله تعالى :”السجود لا يكون عبادة ولا كفرا إلا تبعا للنية:

-فسجود الملائكة عليهم الصلاة والسلام لآدم عليه الصلاة والسلام عبادة لله؛ لأنه امتثال لأمره، وتقرب وتعظيم له.

– والسجود للصنم كفر إذا قصد به التقرب إليه؛ إذ هو عبادة لغير الله. وكذا يحكم عليه به عند جهل قصده أو انكاره؛ لأنه علامة على الكفر.

– والسجود للتحية معصية فقط في شرعنا، وقد كان سائغا في الشرائع السابقة، بدليل سجود يعقوب وبنيه ليوسف عليهم الصلاة و السلام”انتهى.

تتمة: قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى “جامع البيان”: “وقوله:( وخرّوا له سجدًا ) ، يقول: وخرّ يعقوب وولده وأمّه ليوسف سجّدًا.

* * *

19899 – حدثني محمد بن سعد ، قال: حدثني أبي ، قال: حدثني عمي ، قال: حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس:( وخرُّوا له سجدًا ) ، يقول: رفع أبويه على السرير ، وسجدا له ، وسجد له إخوته.
19900 – حدثنا ابن حميد ، قال: حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال: تحمّل بأهله حتى قدموا على يوسف، فلما اجتمع إلى يعقوب بنوه، دخلوا على يوسف، فلما رأوه وقعوا له سجودًا، وكانت تلك تحية الملوك في ذلك الزمان .

19901 – حدثنا بشر ، قال: حدثنا يزيد ، قال: حدثنا سعيد ، عن قتادة:( وخروا له سجّدًا ) وكانت تحية من قبلكم ، كان بها يحيِّي بعضهم بعضًا ، فأعطى الله هذه الأمة السلام، تحية أهل الجنة، كرامةً من الله تبارك وتعالى عجّلها لهم، ونعمة منه.

19902 – حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال: حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة:( وخروا له سجدًا ) ، قال: وكانت تحية الناس يومئذ أن يسجد بعضهم لبعض.

3 – حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال: حدثنا أبو إسحاق ، قال: قال سفيان:( وخرّوا له سجدًا ) ، قال: كانت تحيةً فيهم.

19904 – حدثنا القاسم ، قال: حدثنا الحسين ، قال: حدثني حجاج ، عن ابن جريج:( وخروا له سجدًا ) ، أبواه وإخوته، كانت تلك تحيّتهم، كما تصنع ناسٌ اليومَ.

19905 – حدثنا ابن وكيع ، قال: حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك:( وخروا له سجدًا ) قال: تحيةٌ بينهم.

19906 – حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: قال ابن زيد في قوله:( وخرُّوا له سجدًا ) ، قال: قال: ذلك السجود لشرَفه ، كما سجدت الملائكة لآدم لشرفه، ليس بسجود عبادةٍ.

* * *

     وإنما عنى من ذكر بقوله:”إن السجود كان تحية بينهم”، أن ذلك كان منهم على الخُلُق، لا على وجه العبادة من بعضهم لبعض. ومما يدل على أن ذلك لم يزل من أخلاق الناس قديمًا قبل الإسلام على غير وجه العبادة من بعضهم لبعض، قول أعشى بني ثعلبة:

فَلَمَّا أَتَانَا بُعَيْدَ الكَرَى… سَجَدْنَا لَهُ وَرَفَعْنَا عَمَارَا”انتهى.

     وفي “تفسير ابن كثير”(2/644) ما نصه:” ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام، فحرم هذا في هذه الملة ،وجعل السجود مختصا بجناب الرب سبحانه وتعالى هذا مضمون قول قتادة وغيره ” ا.هـ,

     والله الموفق لا رب سواه

تمت بحمد الله 

Share this...
Print this page
Print
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *