فضل الحجر الأسود

من كتاب: حسن المقصدفي فضائل وأحكام الحجر الأسود-لمحمود عمري

 

من أين أتى الحجر الأسود ؟ مصدره

جاء في أخبار مكة (22) عن الشعبي قال لما أمر إبراهيم عليه السلام أن يبني البيت وانتهى إلى موضع الحجر قال لإسماعيل : إئتني بحجر ليكون علما للناس يبتدئون منه الطواف ، فأتاه بحجر فلم يرضه ، فاتي إبراهيم عليه السلام بهذا الحجر ثم قال أتاني به من لم يكلني على حجرك .

وعن يوسف بن ماهك قال : قال عبد الله بن عمرو أن جبريل عليه السلام هو الذي نزل عليه بالحجر من الجنة ، وأنه وضعه حيث رأيتم وإنكم لن تزالوا بخير ما دام بين ظهرانيكم فتمسكوا به ما استطعتم فإنه يوشك أن يجيء فيرجع به من حيث جاء به ” اهـ . (23) .

 وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أنزل الركن الأسود من الجنة وهو يتلألأ تلألؤا من شدة بياضه فأخذه آدم عليه السلام فضمه إليه أنساً به (24) .

وعن مجاهد قال : الركن من الجنة ، ولو لم يكن من الجنة لفني (25) .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” الحجر الأسود من حجارة الجنة “(26).

7- وسواء ثبت أن البناء الأول كان قبل آدم عليه السلام أو من زمنه أو من زمن إبراهيم عليه السلام ، فإن هذه  الروايات ، إن صحت ، تثبت أنه من حجارة الجنة ، وتنفي الأقاويل أنه حجر عادي ، أو من النيازك ، أو غيرها كما زعم بعضهم .

 

الحجر الأسود كان مضيئا

 

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”إنّ الركن والمقام من ياقوت الجنة ، لولا ما مسهما من خطايا بني آدم ، لأضاءا ما بين المشرق والمغرب ، وما مسهما من ذي عاهة ولا سقيم إلا شفي ” (27) .

وقيل : لولا أن الله طمس نوره ما استطاع أحد أن ينظر إليه (28).

وفي رواية الأزرقي قال : أشهد أن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة ، لولا أن الله تعالى أطفأ نورهما لأضاء نورهما ما بين السماء والأرض (29).

وفي رواية أخرى فلما وضع جبريل الحجر في مكانه ، وبنى عليه إبراهيم ، وهو حينئذ يتلألأ من شدة بياضه ، فأضاء نوره شرقا وغربا ويمينا وشمالا ، قال : فكان نوره يضيء إلى منتهى أنصاب الحرم ، من كل ناحية من نواحي الحرم ، قال : وإنما شدة سواده لأنه أصابه الحريق مرة بعد مرة في الجاهلية والإسلام (30).

وقد مر معنا أنه احترق زمن قريش ولهذا جددت بناءه ، وكذلك زمن عبد الله بن الزبير فنقضه وجدد البناء . فهذه الروايات تشير إلى النور الذي كان يضيء من الحجر عند نزوله ، وبعضها يعزو اختفاء هذا النور إلى خطايا بني آدم ، وبعضها بسبب الحريق ، ولا ندري كم هي المدة التي بقي فيها مضيئا ،والله أعلم .

وعن سعيد بن جبير ،عن ابن عباس قال : الركن والمقام من جوهر الجنة (31). 

وثبت في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” نزل الحجر الأسود من الجنة ، وهو أشد بياضا من اللبن ، فسودته خطايا بني آدم (32) .

 

فضائل الحجر الأسود

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن الركن يمين الله عز وجل في الأرض ، يصافح بها خلقه ، والذي نفس ابن عباس بيده ، ما من امرئ مسلم يسأل الله عز وجل شيئا عنده ، إلا أعطاه إياه ، قال عثمان بن ساج وحدثت أن الله تبارك وتعالى لما أخذ ميثاق العباد جعله في الركن الأسود فيبعثه الله عز وجل بالوفاء بعهده ” (33) .

وورد أنه يبعث يوم القيامة مثل جبل أحد ، يشهد لمن استلمه وقبّله (34).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :” ليبعثنّ الله الحجر يوم القيامة له عينان ، يبصر بهما ، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق “(35).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :” يأتي الركن يوم القيامة ، أعظم من أبي قبيس ، له لسان وشفتان يتكلم عمن استلمه بالنية ، وهو يمين الله التي يصافح بها خلقه “.

قال البيهقي (36) قال أهل النظر اليمين هنا عبارة عن النعمة ومن فضائله أنه على قواعد إبراهيم عليه السلام .

قال الشوكاني في نيل الأوطار : وإنما اقتصر صلى الله عليه وسلم على استلام اليمانيين لما ثبت في الصحيحين من قول ابن عمر رضي الله عنهما ، أنهما على قواعد إبراهيم دون الشاميين ، فعلى هذا يكون للركن الأول من الأركان الأربعة فضيلتان ، كونه الحجر الأسود وكونه على قواعد إبراهيم (37) وللثاني الثانية فقط ، وليس للآخرين أعني الشاميين شيء منها ، فلذلك يقبل الأول ويستلم الثاني فقط ، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان ، على رأي الجمهور (38) .

وجاء في الحاوي : روى محمد بن المنكدر عن جابر  رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” الحجر الأسود يمين الله في الأرض يصافح بها عباده (39) .

وروى أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” الحجر يمين الله في الأرض فمن مسحه فقد بايع الله “(40).

وعن عكرمة قال : أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض ، فمن لم يدرك بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمسح الحجر فقد بايع الله ورسوله “(41) .

قال الإمام الغزالي رحمه الله في الإحياء : وأما الإستلام فاعتقد عنده أنك مبايع لله عز وجل على طاعته ، فصمم عز يمتك على الوفاء ببيعتك ، فمن غدر في المبايعة استحق المقت . وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ” الحجر الأسود يمين الله عز وجل يصافح به خلقه كما يصافح الرجل أخاه ” (42). 

ويقول الداعية فتحي يكن (43) وأما باستلام الحجر الأسود ؛ فيدرك الداعية أنه مبايع لله عز وجل على طاعته ، وعلى الجهاد في سبيله ، وإنها بيعة ثقيلة { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما } [الفتح 11] . وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول :” الحجر الأسود يمين الله عز وجل في الأرض يصافح به خلقه ، كما يصافح الرجل أخاه ” حديث ابن حبان .

ومن فضائله أنه يستجاب عنده الدعاء .

روى الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :” الركن الأسود نور من أنوار الجنة ، وما من أحد يدعو الله عز وجل عنده ، إلا استجيب له “(44).

وروي ” ما بين الركن اليماني والركن الأسود روضة من رياض الجنة “ (45) .

ومن فضائله أيضا أنه تسكب عنده العبرات ؛ دلالة على الحضور والخشوع والرحمة .

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلا ، فالتفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي . فقال : ” يا عمر ! ههنا تسكب العبرات (46) . ولا تمس النار عينا بكت وفاضت من خشية الله ، ويظلها الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .

وروى ابن شهاب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل الحجر وقال : والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك (47)” فقال علي بن أبي طالب أما أنه ينفع ويضر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :” أن الله تبارك وتعالى لما أخذ العهد على آدم وذريته ، أودعه في رق في هذا الحجر ، فهو يشهد لمن وافاه يوم القيامة ” فقال عمر : لا أحياني الله لمعضلة لا يكون لها ابن أبي طالب حيا (48) .

 

22و 23- أخبار مكة ـ لأبي الوليد الأزرقي ج1 ص61ـ 64 .

24- المصدر نفسه ص328 .

25- المصدر السابق ص328 .

26- أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 5/75 .
27- أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 5/75 .

28- فتح العلام 4/278 .

29- أخبار مكة ـ ص328 .

30- أخبار مكة ـ ص65 .

31- المرجع السابق  ـ ص327 .

32- قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .

          وانظر : متن الإيضاح للنووي ص148 .

33- أخبار مكة ص326 .

34- فتح العلام .

35- اخرجه البيهقي في السنن الكبرى 5/75 .

36- أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص333 . وفي إسناد الحديث ضعف .

37- نيل الأوطار للشوكاني 5/114 ـ 115 .

38- نفس المصدر 5/116 .

39و 40- الحاوي الكبير للإمام أبي الحسن الماوردي 5/175 .

41- أخبار مكة للأزرقي ص325 .

42- إحياء علوم الدين للغزالي 1/269 .

43- قوارب النجاة في حياة الدعاة ص107 .

44- السنن الكبرى للبيهقي 5/75 .

45- الحاوي الكبير للماوردي ـ بتحقيق محمد مسطرجي 5/181 .

46- رواه ابن ماجه في المناسك : باب استلام الحجر 2/982 رقم (2945) ، والحاكم 1/454 ، وأورده السيوطي في الدر المنثور 1/325 .

قال البوصيري في زوائد ابن ماجه 3/18 رقم(1036): هذا إسناد ضعيف ، فيه محمد بن عون ضعفه ابن معين وأبو حاتم وغيرهما ، ورواه عبد بن حميد في مسنده وابن خزيمة في صحيحه والحاكم وصحح إسناده ، ومن طريقه البيهقي وقال : تفرد به محمد بن عون . 

47- أخرجه مالك في الموطأ 1/367 وغيره .

48- أخرجه الحاكم 1/457 . قال ابن حجر في فتح الباري 3/462 وفي إسناده أبو هارون العبدي ، وهو ضعيف جدا .

Share this...
Print this pageEmail this to someoneShare on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
0
0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *