فضل رجب ووظائفه

انتقاء: (الشيخ صالح بن محمد الأسمري)

 

الأدب في رجب ـ لملا علي القاري الحنفي رحمه الله تعالى

الحمد لله الذي خلق الكائنات على هيئاتٍ متبايناتٍ، فأظهر الفضل في ما بين أفرادها ظاهرات ومعانيات، حتى في الأمكنة والأزمنة وسائر الأشياء الحادثة من العلويات والسفليَّات، وما ذاك إلا بحسب التجلِّيات الواردة وفق الأسماء والصفات، وأفضل الصَّلوات، وأكمل التحيَّات على سيِّد الموجودات، وسند المخلوقات، وعلى آله وصحبه، وجنده وحزبه، الطَّاهرين والطَّاهرات، وسائر المؤمنين والمؤمنات.

أما بعد:

فيقول الملتجئ إلى حرم ربه الباري، علي بن سلطان محمد القاري الحنفي، عاملهما الله بلطفه الخفيّ، وكرمه الوفي:

[ رجب من أشهر الحرم ]

إن الله سبحانه قال في كتابه القديم وخطابه القويم:

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ .

وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم؛ واحد فَرْدٌ، وثلاثة سَرْدٌ، والمراد بالسرد: مطلق التوالي والتتابع، ومنه ما في “الشمائل” للترمذي: (( ولم يكن عليه السلام يسرد في كلامه كسردكم )). فلا يرد أن ذا القعدة وذا الحجة في آخر السنة، والمحرم في أول السنة الأخرى.

[ مضاعفة العمل الصالح والظلم في الأشهر الحرم ]

ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ

أي: في شهور السنة عموماً؛ بفعل المعصية وترك الطاعة، وفي الأشهر الحرم خصوصاً. قال قتادة: العمل الصالح أعظم أجراً في الأشهر الحرم، والظلم فيهنَّ أعظم من الظلم فيما سواهن، وإنْ كان الظُّلمُ على كلِّ حال عظيماً.

[ القتال في الأشهر الحرم ]

واختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم:

فقال قومٌ: [كان] حراماً، ثم نُسِخَ بقوله تعالى:

وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً – أي عامة –      كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ، كأنه يقول: فيهنَّ وفي غيرهنَّ. وهو قول قتادة، وعطاء الخراساني، والزُّهري، وسفيان الثَّوري.

وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازنَ وثقيفاً بالطائف، وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة.
وقال آخرون: إنه غير منسوخ. قال ابن جريج:

حلف بالله عطاء بن أبي رباح ما يحِلُّ للناسِ أن يغزوا في الحَرَمِ وفي الأشهر الحُرُم، إلا أن يُقاتَلوا فيها، وما نسخت. كذا في “المعالم”.

وذكر صاحب “المدارك” من علمائنا أنَّ عندنا: يقاتِلون في الأشهر الحُرُم، لا في الحَرَم؛ إلا أن يُبْدؤوا بالقتال. معناه: نقاتلهم. وإن كان ظاهر قوله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ؛ يبيج القتل في الأمكنة كلِّها. لقوله تعالى: وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ . خصَّ الحرم إلا عند البداية منهم. كذا في شرح “التأويلات”.

[ دعاء دخول رجب ]

وقد روى البيهقي، وابن عساكر، وابن النجار؛ عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال: ((اللهم بارك لنا [في] رجب، وشعبان، وبلِّغنا رمضان)).
[ معنى رجب وأسماؤه ]

واعلم أنَّ رجباً منصرف عند الأكثر، وهو الأظهر؛ لاشتقاقه من رَجَبَ فلاناً: هابه وعظََّمه، لتعظيم العرب إيَّاه، ولذا يقال: رجبٌ المُرَجَّب. ويقال: رجب الأصم؛ لأنَّه لا يُنادى فيه: يا قوماه ويا صباحاه. أو لأنَّه لا يُسمع فيه حسُّ السلاح، ولا في الصباح ولا في الرَّواح. وقد روى البيهقي عن عائشة – وقال: رفعُهُ منكرٌ -:

((إن رجباً شهر الله، ويدى الأصمَّ، وكان [أهل] الجاهلية إذا دخل رجبٌ يعطِّلون أسلحتهم، ويضعونها، فكان النَّاسُ يأمَنونَ؛ تأمنِ السُّبُلُ، ولا يخافون بعضهم بعضاً حتى ينقضي)).
وأما ما اشتُهِر من رجب الأصبّ، وأن معناه: تُصَبُّ فيه الرحمة، وتُكَبُّ في النعمة، فما رأيتُهُ في كتب اللغة.

وذكر أبو الفتح ابن أبي الفوارس في “أماليه” عن الحسن مرسلاً: “رجبٌ شهر الله، وشعبانُ شهري، ورمضانُ شهر أمَّتي”.

[ هل ثبت في فضل صيامه حديث؟ ]

وقد جاء في فضائل صومه أحاديث ضعيفه، تصير بكثرة طرقها قوية، مع أنَّ الأحاديث الضعيفة الأحوال معتبرةٌ في فضائل الأعمال، يعني: تفيد:

(( أن رجباً شهرٌ عظيمٌ، تُضاعَف فيه الحسنات، مَن صام يوماً منه؛ كان كصيام سنة)). رواه الرافعي.
وعن ابن عباس مرفوعاً: (( صومُ أوَّل يوم من رجب كفَّارة ثلاث سنين، والثاني كفارة سنتين، والثالث كفارة سنة، ثم كل يوم شهر)) أخرجه أبو محمد الخلال في “فضائل رجب”.

وعن أنس مرفوعاً: (( إنَّ في الجنة نهراً يُقال له: رجبٌ. ماؤه أشدُّ بياضاً من اللبن، وأحْلى من العسل، ومن صام يوماً من رجبٍ؛ سقاهُ الله من ذلك النهر)) رواه البيهقي والشيرازي في “الألقاب”.
وعن ابن عمر مرفوعاً: (( من صام أول يوم من رجب؛ عدل ذلك بصيام سنة، ومن صام سبعة أيامٍ؛ أغلق [عنه] سبعة أبواب النار، ومن صام من رجب عشرة أيا؛ نادى منادٍ في السَّماء: أن سَلْ تُعْطَه)). أخرجه أبو نعيم، وابن عساكر.

وعن أبي ذر مرفوعاً: ((من صام من رجبٍ، عدل صيامه شهراً، ومن صام منه سبعة أيام؛ غلِّقَت عنه أبوابُ الجحيم السبعة، ومن صام منه ثمانية أيام؛ فتحت له أبواب الجنَّة الثمانية، ومن صام منه عشرة أيام؛ بُدِّلت سيئاتُه حسنات، ومن صام منه ثمانية عشر يوماً؛ نادى منادٍ: أن الله قد غفر لك ما مضى، فاسْتَأْنِفِ العمل)). رواه الخطيب.

وعن أنس مرفوعا: ((من صام يوماً من رجبٍ؛ كان كصيام سنة، ومن صام سبعة أيام غلقت عنه سبعة أبواب جهنم، ومن صام ثمانية أيام؛ فتحت له ثمانية أبواب الجنة، ومن صام عشرة أيام؛ لم يسألِ الله شيئاً إلا أعطاه، ومن صام خمسة عشر يوماً؛ نادى منادٍ من السماءِ: قد غفرتُ لك ما سلف، فاسْتَأْنِفِ العمل، قد بُدِّلتْ سيئاتُك حسنات. وفي رجب حُمِلَ نوح عليه السلام في السفنية، فصام نوحٌ، وأمر من معه أن يصوموا، وجَرَتْ بهم السفينةُ ستة أشهر، إلى آخر ذلك، [لعشر] خلونَ من المحرم)).

ورواه الطبراني عن سعيد بن أبي راشد مرفوعاً. (( رجبٌ شهر عظيم، يضاعف الله في الحسنات، فمن صام يوماً من رجب، فكأنما صام سنة، ومن صام منه سبعة أيام؛ غلقت عنه [سبعة] أبواب جهنم، ومن صام منه ثمانية أيام؛ فتحت له ثمانية أبواب الجنة، ومن صام منه عشرة أيام؛ لم يسأل [الله] شيئاً إلا أعطاه إياه، ومن صام منه خمسة عشر يوما؛ نادى منادٍ من السماء: قد غفر الله لك ما مضى، فاستأنف العمل، ومن زاد؛ زاده الله. وفي رجب حمل الله نوحاً في السفينة، فصام رجباً، وأمر من معه أن يصوموا، فجرت بهم السفينة ستة اشهر، آخر ذلك يوم عاشورا، أُهْبِطَ على الجودِيِّ، فصام نوح ومعه قومُهُ، والوَحْشُ؛ شكراً للهِ عزَّ وجلَّ. وفي يوم عاشوراء فَلَقَ الله البحر لبني إسرائيل. وفي يوم عاشوراء تاب الله على آدم، وعلى أهل مدينة يونس. وفيه وُلدَ إبراهيم)).
وروى البيهقي – وقال منكر – عن سلمان الفارسي [مرفوعا]: ((في رجب يوم وليلة؛ من صام ذلك اليوم، وقام تلك الليلة؛ كان كمن صام الدهر مئة سنة، وقام مئة سنة، وهو لثلاثٍ بقينَ من رجب، وفيه بعث الله تعالى محمداً)).

وعن أنس أيضاً مرفوعا: ((من صام ثلاثة أيام من شهرٍ حرام: الخميس، والجمعة والسبت؛ كُتِبَت له عبادةُ سنتين)). رواه الطبراني في “الأوسط”.

وعنه أيضاً: ((من صام من كل شهرٍ حرامٍ الخميس والجمعة والسبت؛ كُتبتْ له عبادةُ سبع مئة سنة)). أخرجه ابن شاهين في “ترغيبه”، وابن عساكر.

[ النهي عن صيامه ومعناه ]

وأما ما رواه ابن ماجه: أنه عليه السلام نهى عن صيام رجب. فمحمول على اعتقاد وجوبه؛ كما في الجاهلية.

[ الاستغفار في شهر رجب ]

وعن عليٍّ رضي الله عنه مرفوعاً: ((أكثروا من الاستغفار في شهر رجب، فإنَّ لله في كلِّ ساعة منه عتقاء من النار)). كذا في “الذيل”، وفي إسناده متروك.

وقد سمعتُ بعض مشايخ أن يستغفروا في هذا الشهر كثيراً، ويقول: أستغفر الله ذا الجلال والإكرام من جميع الذُّنوبِ والآثام. ثم رأيتُ المَنُوفِيَّ قال:

وقد أفادَ صاحب “ترغيب المطالب في أشرف المطالب” أنَّه رأى بخط الحافظ كمال الدين الدّميْري: عن ابن عباس مرفوعا: ((من قال في شهر رجب وشعبان: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأتوب إليه توبةَ عبدٍ ظالمٍ لنفسه، لا يملكُ لنفسهِ موتاً ولا حياةً ولا نشورا؛ سبع مرات، أوحى الله تعالى إلى الملكين الموكَّلين به: أن خَرِّقا صحيفةَ ذنوبه)).
قال: ويكفينا في ثبوت وروده اعتناء الحافظ الدميري بنقله بخطِّه؛ ساكتاً عليه، ولو كان موضوعاً؛ لبيَّنه، فإنه إمامٌ في هذا الفنّ، وأقلُّ مراتبه أن يكون ضعيفاً، والضعيف يُعْمَل به في فضائل الأعمال اتِّفاقاً.

وفي “المختص”: ((رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي)). رواه الديلمي وغيرهُ عن أنس.

وأما حديث: خطب صلى الله عليه وسلم قبل رجب بجمعة، فقال: (( أيها الناسُ! قد أظلَّكُم شهرٌ عظيم، رجب شهر الله الأصم، تضاعف فيه الحسنات، وتستجاب [فيه] الدعوات، ويفرج فيه [عن] الكربات …)). فحديث منكر.

[ شهر رجب له فضيلة بالنسبة إلى سائر الشهور ]

واعلم أنَّه يتحصَّل من جميع ما ذُكر: أن شهر رجب له بعضُ فضيلة بالنسبة إلى سائر الشهور، فما يفعلهُ الناسُ من إكثارِ الاعتمارِ فيه، وكذا إخراج الزَّكاة من الدِّرهم والدِّينار، وغير ذلك من أعمال الأبرار؛ فلا شبهة في جواز ذلك، ومزيد الأجر والثواب هناك، ولا معنى لنهي بعض العلماء عن الصيام فيه، وقوله: إنَّه بدعة. فالمطلوب من الخلق العبادة، وكثرة الطاعة، على قدر الطاقة، وبحسب الاستطاعة.

وأجمع العلماء بجواز العمل بالأجاديث الضعيفة والواردة في فضائل الأعمال، والله أعلم بحقيقة الأحوال.

[ صلاة الرغائب ]

وأما صلاة الرغائب – وهي اثنتا عشرة ركعة بعد المغرب في أوَّل جمعة من رجب، يصلى اثنتا عشرة ركعة بستّ تسليمات، يقرأ [في] كلِّ ركعةٍ بعد الفاتحة سور القدر ثلاثاً، والإخلاص اثنتي عشرة، وبعد الفراغ يصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم سبعين مرّة، ويدعو بما شاء – ، فرجال حديثها مجهولون، وصرَّح جماعة بأنه موضوع.

وفي “شرح مسلم” للنووي: “احتجَّ العلماء على كراهة صلاة الرغائب بحديث: (( لا تَخُصُّوا ليلة الجمعة بقيام، ولا تخصُّوا يوم الجمعة بصيام)). فإنها بدعةٌ منكرةٌ، من بدع الضَّلالة والجهالة، وفيها منكراتٌ ظاهرةٌ، قاتل الله واضعها ومخترعها، وقد صنَّف الأئمة مصنَّفاتٍ نفسية في تقبيحها، وتضليل مصلِّيها ومبتدعها، ودلائل قبحها، [وبطلان وتضلُّلِ فاعلها] أكثر من أن تُحْصَر”. انتهى كلامه.

وفيه أن إطلاق الضَّلالة والجهالة على مَن يصلي ليلة الجمعة فرادى أو بالجماعة محلّ بحث؛ لأن ((الصلاة خيرُ موضوعٌ))، ولو قيل في هذا الحديث: إنه موضوع. وعلى التسليم، فالإثم على الواضع، لا حرج على من يعمل بالعمل الواقع في الواقع.

[ حكم تخصيص ليلة الجمعة بقيام ويوم الجمعة بصيام ]

وأما تخصيص ليلة الجمعة بالقيام، ويوم الجمعة بالصيام، فاختلف العلماء على كراهته، والأظهر أنَّه محمولٌ على الكراهة والتنزيهية، وأن الأولى هو استدامة العبادة في جميع الليالي، لا انحصارها في وقت خاص منها، وتركها في باقيتها، كيف وفي “جامع الأصول” قال – بعدما ذكر صلاة الرغائب الكيفية المعروفة، واستجابة الدعاء بعدها – : “وهذا الحديث مما وجدتُه في كتاب رَزِين، ولم أجده في واحد من الكتب الستة، والحديث مطعونٌ فيه”. انتهى.
وغايته أنه حديث ضعيف. ويكفي في اعتباره أن الشيخ ابن الصَّلاح – مع جلالته في علم الحديث – اختار جواز تلك الصلاة، وكذا حجة الإسلام في “الإحياء”، وكذا غيره من المشايخ والعلماء.
وأما قول بعضهم: إن صلاة الرغائب حدثت بعد المئة الرابعة؛ فلا دلالة فيه على كونها بدعة سيئة، لا سيَّما وأصْلُ الصلاة ثابتٌ جوازُها بالكتاب والسنة.

[ بدعية الوقيد والاجتماع في أول جمعة من رجب ]

وأما اتِّخاذ تلك الليلة مجتمعة، وزيادة الوقيد فيها وفي أمثالها؛ فلا شك في أنها بدعة سيئة، وفعلةٌ منكرةٌ؛ لما فيها من إسراف الأموال، والتشبُّه بعبدةِ النَّار في إظهار الأحوال.

[ من منكرات ما يقع في رجب ]

وكذا من المنكرات خلط النساء والرجال، وضرب الدُّف، والتَّرقيص؛ مما ينافي أحوال أرباب الكمال.
[ صلاة ليلة المعراج ]

هذا، وذكر شيخ مشايخنا الحافظ السيوطي في “جامعه الكبير”: (( في رجب ليلة كُتب للعامل فيها حسناتُ مئة سنة، وذلك لثلاث بقين من رجب، فمن صلَّى فيه اثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب، وسورة [من القرآن، يتشهد في كل ركعتينن ويسلم في آخرهن]، ويقول بعد صلاته: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، [والله أكبر] مئة مرة، [ويستغفر مئة مرة]، ويصلي على النبي عليه السلام مئة مرة، ويدعو لنفسه ما شاء مِن امر دنياه وآخرته، ويصبح صائماً؛ فإن [الله] يستجيب دعاءهُ كلَّه؛ إلا أن يدعو في معصية)). رواه البيهقي عن أبان عن أنس بإسناد ضعيف جداً. وقد صرح في “الإحياء” بأنه صلاة ليلة المعراج.

[ التعجب من تحسين المعصية على صلاة الرغائب ]

وأما ما حُكي من أنَّ بعض المالكية مرَّ بقومٍ يصلَّون الرغائب، وقوم عاكفين على محرّم من المصائب، فحسَّن حال العاصين على المصلِّين؛ معلِّلاَّ بأنَّهم يعلمون أنَّهم على معصية، فلعلهم يتوبون، وهؤلاء يزعمون أنهم في عبادة، فلا يرجعون.

فهذا أمرٌ غريب، وحكمٌ عجيب، فسبحان الله! هل يتصور أن تكون نفس الصلاة معصيةً مبتدعةً، وإنْ كانت على هيئةٍ مخترعةٍ، حتى يحتاج صاحبها إلى توبة، وهو يطلب من الله بفعلها المغفرة والرحمة.
ثم إنْ فُتِحَ بابُ قُبْحِ كلِّ بدعةٍ حادثة، ويرجح في المذمَّة على معصية ثابتة؛ لما خلص أحدٌ من العلماء الأعلام، ولا من المشايخ الكرام؛ من الذُّنوب والآثام، ويضمُّ إليه إنكار اللسان على الأمور المحرَّمة في هذا الزمان، فنسأل الله العفو والعافية، وحسن الخاتمة في العاقبة، والتوفيق [في] المتابعة بالكتاب والسنة، ومخالفة أهل الأهواء والبدع السيئة، ويكفي في هذا المقام الأعلى قوله تعالى: 
أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى .

[ العمرة في رجب ]

بقي الكلام على أعمرة رجب، أمَّا كونها سنة، بأن فعلها عليه السلام، أو أقرَّ بها أحداً، أو رغَّب [فيها]؛ فلا يثبت.

فقد روي عن عروة بن الزبير قال: كنتُ أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة، وإنا لنسمع صوتها بالسِّواك تستَنُّ. قال: فقلت: يا أبا عبدالرحمن! اعتمرَ النبي صلى الله عليه وسلم في رجب؟
قال: نعم.

فقلت لعائشة: أي أمَّتاه! ألا تسمعين ما يقول أبو عبدالرحمن؟

قالت: وما يقول؟

قلتُ: يقول: اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم [أربعَ عمرٍ؛ إحداهن] في رجب.

فقالت: يغفر الله لأبي عبدالرحمن، لَعَمري ما اعتمر في رجب، وما وما اعتمر عمرة إلا وهو معه، [وما اعتمر في رجب قط].

قال: وابن عمر يسمع، ما قال لا، ولا نعم، سكت. كذا في “المواهب اللدنِّية”.

وهذا يدلُّ على وهم ابن عمر؛ سواء رجع عن قوله أو لا، فإنه متفرد [به]، وقوله شاذ منكر، لم يوافقه أحدٌ من الصحابة الكرام، ولا من الأئمة الأعلام.

نعم، روي أنَّ عبدالله بن الزُّبير لما جدَّد بناء الكعبة الشريفة؛ وضعها على الهيئة المنيفة، وكان الفراغ قبيل سبعة وعشرين من رجب، بليال متعددة، وذبح قرابين للفقراء والمساكين؛ وأمر أهل مكة أن يعتمروا حينئذ شكراً لله على إتمام بيت الله الملك العلاَّم، بنظامٍ أحبَّه النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الصحابة الكرام؛ أقوالهم وأفعالهم حجة على الأنام حيث قال صلى الله عليه وسلم: ((أصحابي كالنُّجوم، بأيهم أقتديتم اهتديتم)). مع ما ورد عن ابن مسعود موقوفاً ومرفوعاً: ((ما رآه المسلمون حسناً؛ فهو عند الله حسن)).

هذا مع توافقه لليلةٍ؛ قيل: كان فيها معراجُ سيِّد الأنبياء إلى السماوات العُلى، وذُنُوِّه إلى مقام قاب قوسين أو أدنى، وهذا وجه تخصيص أهل مكة للزيارة لشهر رجب الأصمّ، والله تعالى أعلم.
وصلى الله تعالى على محمد وآله وصحبه أجميع، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

.. انتهت الرسالة ..

 

Share this...
Print this pageEmail this to someoneShare on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
0
0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *