قص الشارب … حقيقته وحكمه

 

 بطاقة الكتاب

الكتاب

قص الشارب…حقيقته وحكمه

(مطوية فقهية)

المؤلف

الشيخ صالح بن محمد الأسمري

الفهرس

 

 

حقيقة الشارب

سنة قص الشارب

حكم قص الشارب

صور قص الشارب

 

 

 

   لقد خلق الله بني آدم في أحسن صورة، قال تعالى: ” وصوركم فأحسن صوركم ” [غافر:64]، [التغابن:3].

قال التقي ابن دقيق العيد (رحمه الله تعالى) في:” شرح الإلمام”:” كأنه قال سبحانه: قد أحسن صوركم، فلا تشوهوها بما يقبحها. وكذا قوله (تعالى) حكاية عن إبليس:” ولآمرنهم فليغيرن خلق الله”[النساء:119] فإن إبقاء ما يشوه الخلقة تغيير لها؛ لكونه تغييراً لحسنها” ا.هـ .

 

           ومن ذلك قص الشارب ـ وهو الشعر النابت فوق الشفة العليا فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):” الفطرة خمس أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وقص الشارب” [رواه البخاري في:” الصحيح” (رقم 5889) ومسلم في:” الصحيح” (رقم:257) وغيرها]

 

            لذا أمر الشارع بقص الشارب وحفه، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):” خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب” [رواه البخاري في:” الصحيح” ( رقم 5892) ومسلم في:” الصحيح” (رقم:259)] وقال (صلى الله عليه وسلم) :” إن أهل الشرك يعفون شواربهم ويحفون لحاهم فخالفوهم فأعفوا اللحى واحفوا الشوارب” [ رواه البزار في “مسنده” (3/370 ـ كشف ) بإسناد حسن كما قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله في:” زوائد البزار”  ( رقم:1222)] يقول الولي العراقي (رحمه الله تعالى) في:” شرح سنن أبي داود”:” الحكمة في قص الشارب أمر ديني، وهو مخالفة شعار المجوس في إعفائه، كما ثبت التعليل به في الصحيح. وأمر دنيوي، وهو تحسين الهيئة، والتنظيف فيما يعلق به من الدهن والأشياء التي تلتصق بالمحل كالعسل والأشربة، ونحوهما.

وقد يرجع تحسين الهيئة إلى الدين أيضاً؛ لأنه يؤدي إلى قبول قول صاحبه وامتثال أمره من أرباب الأمر، كالسلطان والمفتين والخطيب ونحوهم” ا. هـ.

 

           وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقص شاربه وينكر إعفاءه، فعن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال:” كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يقص شاربه” [رواه الترمذي في:” السنن” (رقم:2760) وقال: حسن غريب]، وقال (صلى الله عليه وسلم):” ليس منا من لم يأخذ من شاربه” [رواه الترمذي في:” السنن” (رقم:2762) وقال: حسن صحيح، وقال في:” كشف الخفاء” (2/412) إسناده قوي” ا.هـ.

 

          وعلى ذلك اتفاق الفقهاء كما هو مشهور، قرره ابن عبد البر (رحمه الله تعالى) في:” الاستذكار” (27/62) والحافظ ابن حجر (رحمه الله تعالى) في:” الفتح” (10/347)، وذهب بعض إلى وجوب قص الشارب، قال الشمس ابن مفلح (رحمه الله تعالى) في:” الفروع” (1/129): وذكر ابن حزم الإجماع على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض ” ا.هـ. المراد.

           ويحمل الإجماع على اللزوم لا الوجوب ولكن ابن حزم (رحمه الله تعالى) قرر الوجوب على مذهب الظاهرية ـ كما في:” الفروع” (1/129) ـ وقال الحافظ ابن حجر (رحمه الله تعالى) في:” الفتح” (10/339): ” وأعزب القاضي أبو بكر ابن العربي فقال: عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة؛ فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين؟! كذا قال في:” شرح الموطأ” وقال: شرحبيل بن مسلم الخولاني (رحمه الله تعالى):” رأيت خمسة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقصون شواربهم، ويعفون لحاهم ويصفرونها: أبو أمامة الباهلي، والمقداد بن معدي كرب الكندي، وعتبه بن عوف السلمي، والحجاج بن عامر الثمالي، وعبد الله بن يسر كانوا يقصون شواربهم مع طرف الشفة”[رواه البيهقي في:” الكبرى”(1/15) والحديث عند الطبراني في ” الكبير” (رقم:3218) وسنده جيد كما في “المجمع”(5/167).

 

         وسنة حف الشارب وقصه يدخل فيها صورتان:

 

أما الأولى: فقص إطار الشارب بحيث تبدو أطراف الشفة. عن المغيرة بن شعبة (رضي الله عنه) ” ضفت النبي (صلى الله عليه وسلم) وكان شاربي وفي فقصه على سواك” [رواه أحمد في:” المسند” (4/252) وأبو داود في:” السنن” (1/324 ـ عون)]. وعن عائشة رضي الله عنها قالت:” إن رسول الله أبصر رجلاً، وشاربه طويل، فقال: ائتوني بمقص وسواك، فجعل السواك على طرفه ثم أخذ ما جاوز” [رواه البزار في: “مسنده” (رقم:2969) ـ كشف). قال الهيثمي في:” المجمع ” (5/166):” رواه البزار، وفيه عبد الرحمن بن مسهر، وهو كذاب” ا.هـ

وفي الأثر عن عمر بن عبد العزيز (رحمه الله تعالى) قال: بعد ما سئل: ما السنة في فضل الشارب؟ :” يقص حتى يبدو الإطار، ويقطع فضل الشاربين” [رواه ابن أبي شيبة في:” المصنف” (8/378)]

قال الحافظ ابن حجر (رحمه الله تعالى) في:” الفتح”(10/347):” قال النووي: المختار في قص الشارب أنه يقصه حتى يبدو طرف الشفة، ولا يحفه من أصله” ا. هـ. وهو مقرر عند الفقهاء في مذاهبهم.

 

أما الثانية: المبالغة في قص الشارب دون حلق، فعن ابن عمر مرفوعاً:” خالفوا المشركين، وفروا اللحى واحفوا الشوارب” قال ابن الأثير (رحمه الله تعالى) في:” النهاية” (1/ 410):” ومنه الحديث:” أمر أن تحفى الشوارب” أي: يبالغ في قصها” ا. هـ.

 

          وقال الولي العراقي (رحمه الله تعالى) في ” شرح سنن أبي داود”:” حديث ابن عمر (رضي الله عنهما):” أحفوا الشوارب” وهو دال على استحباب قدر زائد على القص، ويساعده المعنى الذي شرع قص الشارب لأجله، وهو إما مخالفة شعار المجوس، أو زوال المفاسد المتعلقة ببقائه” ا. هـ المراد.

وقال الحافظ ابن حجر (رحمه الله) في:” الفتح ” (10/ 346):” ورد الخبر بلفظ (القص) في أكثر الأحاديث، وورد بلفظ (الحلق) في رواية النسائي، وورد بلفظ (جزوا) عند مسلم، وبلفظ (احفوا) وبلفظ (أنهكوا)، وكل هذه الألفاظ تدل على أن المطلوب المبالغة في الإزالة؛ لأن (الجز) وهو بالجيم والزاي الثقيلة ـ قص الشعر والصوف إلى أن يبلغ الجلد. و (الإحفاء) ـ بالمهملة والألف ـ الاستقصاء، ومنه:” حتى أحفوه بالمسألة ” قال أبو عبيد الهروي:” معناه ألزقوا الجز بالبشرة”، وقال الخطابي:” هو بمعنى الاستقصاء”. و (النهك) ـ بالنون الكاف ـ المبالغة في الإزالة” ا.هـ المراد.

 

           وعمل به أئمة، قال الأثرم: رأيت الإمام أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديداً، وسمعته يسأل عن السنة في إحفاء الشارب؛ فقال: يحفي كما قال نبي الله (صلى الله عليه وسلم):” أحفوا الشوارب”[” الاستذكار” (27/62)] وهناك صورة متنازع فيها، وهي حلق الشارب، حيث ورد حديث:” أحفوا الشوارب” بلفظ (الحلق) ـ كما قاله الحافظ ابن حجر في:” الفتح:” (10/ 364) ـ في رواية النسائي. وروى ابن أبي شيبة في:” المصنف” (8/ 377) والبيهقي في:” الكبرى” (1/ 151) بسندهما إلى عبد الله بن أبي رافع قال:” رأيت أبا سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وابن عمر ورافع بن خديج وأبا أسيد الأنصاري وابن الأكوع وأبا رافع ينهكون شواربهم حتى الحلق”.

قال ابن أبي شيبة في:” المصنف”(8/ 377): حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن حبيب قال:” رأيت ابن عمر وقد جز شاربه كأنه حلقه” ا. هـ. وأخرج أبو بكر الأثرم من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال:” رأيت ابن عمر يحفي شاربه حتى لا يترك منه شيئاً” [وعلقه البخاري وتكلم عنه الحافظ ابن حجر في:” الفتح” (10/334)]

 

           وقد استدل له الطحاوي (رحمه الله تعالى) في:” شرح معاني الأخبار” (4/ 214) بالنظر فقال:” وأما من طريق النظر، فإنا رأينا الحلق قد أمر به في الإحرام، فكان الحلق أفضل من التقصير، وكان التقصير من شاء فعله، ومن شاء زاد عليه إلا أن يكون بزيادته عليه أعظم أجراً ممن قص.

فالنظر على ذلك أن يكون كذلك حكم الشارب قصه حسن، وإحفاؤه أحسن وأفضل، وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ” أ.هـ المراد.

 

          وأخذ بالحلق جمع، يقول النووي رحمه الله تعالى في:” شرح مسلم” (2/ 151):” وأما الشارب فذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه” أ.هـ. وأنكره الإمام مالك (رضي الله عنه) وجعل الحلق مثلة بالنفس، قال (رضي الله عنه) في:” الموطأ” (2/ 922 ـ عبد الباقي): ” يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة وهو الإطار، ولا يجز فيمثل بنفسه” وروى البيهقي (رحمه الله) في:” السنن” (1/ 151) بإسناده عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي قال: “ذكر مالك بن أنس إحفاء بعض الناس شواربهم، فقال مالك: ينبغي أن يضرب من صنع ذلك، فليس حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) في الإحفاء، ولكن يبدي حرف الشفتين والفم، قال مالك بن أنس:” حلق الشارب بدعة ظهرت في الناس” ا.هـ.

وجاءت الرواية عن الإمام الليث بن سعد (رضي الله عنه) ـ كما في: ” الاستذكار ” (27) ـ أنه قال:” لا أحب لأحد أن يحلق شاربه، ولكن يقصره على طرف الشارب، وأكره أن يكون طويل الشاربين” ا.هـ.

 

 

 

وكَتَبَ/

(صالحُ بنُ مُحمَّدٍ الأَسْمَرِيّ)
لَطَفَ اللهُ به

الدِّيارُ الحِجازِيَّةُ ببلادِ الحَرَمَين
حَرَسَها اللهُ

 

 

Share this...
Print this page
Print
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *